تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطانُ، فإنه سوّل لهم وأملى لهم، وقارنهم وحسن [¬١] لهم القبائح، [ولهذا قال تعالى] [¬٢]: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ ولهذا قال الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقْتدي
ثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وأي شيء يضرهم [¬٣] [لو آمنوا بالله] [¬٤]، وسلكوا الطريق [¬٥] الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإِخلاص والإِيمان بالله، رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب [¬٦] الأعظم الإِلهي الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذًا بالله من ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾
[يقول تعالى مخبرًا] [¬٧] أنه لا يظلم أحدًا [¬٨] من خلقه [¬٩] يوم القيامة مثقال حبة خردل
Juz 4, hlm. 50 ›
ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾. وقال تعالى مخبرًا عن لقمان أنه قال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
وفي الصحيحين (¬٤٣٠)، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللَّه ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيقول اللَّه ﷿: "ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مقال [حبة خردل] [¬١] من إيمان فأخرجوه من النار" وفي لفظ: "أدنى أدنى أدنى معقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار. فيخرجون خلقا كثيرا". ثم يقول أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
وقال ابن أبي حاتم (¬٤٣١): حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن عبد اللَّه بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: يؤتى بالعبد أو [¬٢] الأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رءوس الأوّلين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو [¬٣] أمها [¬٤] أو أخيها أو زوجها [ثم قرأ] [¬٥]: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ فيغفر اللَّه من حقه ما يشاء، ولا
Juz 4, hlm. 51 ›
يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس، فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: يا [¬١] رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم قال: خذوا الناس [¬٢] من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه [¬٣] بقدر مظلمته [¬٤]، فإن كان وليًّا للَّه ففضل له مثقال ذرّة ضاعفها اللَّه له حتى يدخله بها [¬٥] الجنة ثم قرأ علينا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: ادخل الجنة، وإن كان عبدًا شقيا، قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير؟. فيقول [¬٦]: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها [¬٧] إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار.
ورواه ابن جرير من وجه [¬٨] آخر عن زاذان به نحوه، ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.
وقال ابن أبي حاتم (¬٤٣٢) حدّثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل -يعني ابن مرزوق- عن عطية العوفي، حدثني عبد اللَّه بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جَاءَ
Juz 4, hlm. 52 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.