تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: هو الجنة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ إذ هي من كلام الله تعالى.
﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ..﴾. إلخ: قال الجمل: لما ذكر ﷾ ما أعطيه المؤمنون من الدرجات؛ أتبعه بذكر أهل الكرامات، الذين لا شاغل لهم عن العبادات، وبيان مستقرهم في الجنة، وهم الملائكة، فقال صارفا الخطاب لأشرف الخلق؛ لأنه لا يقول بحق هذه الرؤية غيره؛ أي: وترى يا محمد في ذلك اليوم الملائكة؛ أي: القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق. انتهى. ﴿حَافِّينَ﴾ أي: محدقين محيطين بالعرش، مصطفين بحافته، وجوانبه. قال رسول الله ﷺ: «حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النّار بالشهوات». وقال الفراء وتبعه الزمخشري:
لا واحد ل: ﴿حَافِّينَ﴾ من لفظه، وكأنهما رأيا: أن الواحد لا يكون حافا؛ إذ الحفوف هو الإحداق بالشيء، والإحاطة به. وهذا لا يتحقق إلا في جمع. ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ:﴾ انظر شرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة). أما ﴿حَوْلِ﴾ فهو ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله، وحواله، وحوليه. وحواليه ولا تقل: حواليه (بكسر اللام) وقعد بحياله وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يقولون: سبحان الله وبحمده. تلذذا بذلك، لا تعبدا، وتكليفا؛ لأن التكليف يزول في ذلك اليوم. وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى، وتسبيحه، وتقديسه. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بين الخلائق بإدخال بعضهم الجنة، وإدخال بعضهم النار بالحق، والعدل، ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: على ما قضى بيننا بالحق، والقائلون هم المؤمنون المقضي لهم، أو الملائكة، وطيّ ذكرهم؛ لتعينهم، وتعظيمهم.
هذا؛ والحمد في الآية الأولى على الصدق بالوعد، وإيراث الجنة، وهذا على القضاء بالحق، قال الطيبي: الحمد الأول للتفرقة بين الفريقين بحسب الوعد، والوعيد من السخط والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فتكون الآية الثانية كالتتميم بالنسبة للأولى في إتمام القضاء، وعلى الثاني كالتكميل؛ لأن ذلك القضاء في حق بني آدم، وهذا في حق الملائكة. ويؤيد التأويل الثاني تكرير الحمد في الآيتين، والأول هو الظاهر. والله أعلم بمراده، فلا يرد: ما وجه تكرار حمد المؤمنين؟. انتهى. جمل نقلا من كرخي.
Juz 8, hlm. 302 ›
الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿حَافِّينَ:﴾ حال من ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ حَوْلِ:﴾
متعلقان به، و ﴿حَوْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾
فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من: ﴿الْمَلائِكَةَ﴾. ﴿بِحَمْدِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: ملتبسين ﴿بِحَمْدِ﴾. قال الثعلبي:
والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح، وتحذفها أحيانا، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ و (حمد) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَقُضِيَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(قضي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله على أنه نائب فاعله، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩]، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال. ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْحَمْدُ:﴾
مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٢]. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:
﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الزمر) بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
Juz 8, hlm. 303 ›
سورة غافر
سورة (غافر): وتسمى سورة (المؤمن) وسورة (الطّول) وهي مكية، وكذا بقية الحواميم مكيات غير آيتين، وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٥٦] و [٥٧]، وعن الحسن إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ رقم [٥٥] وهي خمس وثمانون آية، وألف ومئة، وتسع وتسعون كلمة، وأربعة آلاف وتسعمئة وستون حرفا. انتهى. خازن. وقال القرطبي: وفي مسند الدارمي عن سعد بن إبراهيم، قال: كانت الحواميم تسمى: العرائس. وروي من حديث أنس ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الحواميم ديباج القرآن». وعن ابن مسعود-﵁:
(آل حم ديباج القرآن). وقال الجوهري، وأبو عبيدة: وآل حاميم سور في القرآن. وقال الفراء:
إنما هو كقولك: آل فلان، وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم، قال الكميت: [الطويل]
وجدنا لكم في آل حاميم آية... تأوّلها منّا تقيّ ومعزب
قال أبو عبيدة: هكذا رواها الأموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قول العامة: الحواميم فليس من كلام العرب، وقال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على غير قياس، وأنشد: [الرجز]
وبالطّواسين الّتي قد ثلّثت... وبالحواميم الّتي قد سبّعت
قال: والأولى أن تجمع ب: ذوات حم، وروي: أن النبي ﷺ قال: «لكلّ شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هنّ روضات حسان، مخضبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم». وقال النبي ﷺ: «مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب». ذكرهما الثعلبي، والقرطبي.
وقال ﷺ: «الحواميم سبع، وأبواب النار سبع-انظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الزمر) - تجيء كلّ حم منهنّ يوم القيامة على باب من هذه الأبواب، فتقول: لا يدخل النار من كان يؤمن بي، ويقرأني». وقال أبو عبيدة: وحدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال: رأى رجل سبع جوار حسان مزيّنات في النوم، فقال: لمن أنتنّ بارك الله فيكنّ؟! فقلن:
نحن لمن قرأنا نحن الحواميم. فتلخص من مجموع هذه الأخبار: أن هذه السور السبع تسمى الحواميم، وتسمى آل حاميم، وتسمى ذوات حاميم، فلها جموع ثلاثة خلافا لمن أنكر الأول منها. تأمل. انتهى. جمل وقرطبي بتصرف.
وهذا؛ وسميت سورة (غافر) لأن الله تعالى ذكر هذا الوصف الجليل، الذي هو من صفات الله الحسنى في مطلع السورة الكريمة؛ حيث قال: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ..﴾. إلخ، وكرر ذكر
Juz 8, hlm. 304 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.