تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
الكواكبِ والرفعُ، فلا أستجيزُ القراءةَ بهما؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِهما، وإن كان لهما فى الإعراب والمعنى وجهٌ صحيحٌ.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ فى تأويلِ ذلك إذا أضيفت الزينةُ إلى الكواكبِ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: إذا قُرئ ذلك كذلك، فليس يعنى بعضَها، ولكنَّ زينتَها حُسنُها، وكان غيرُه يقولُ: معنى ذلك إذا قُرِئ كذلك: إنا زيَّنا السماءَ الدنيا بأن زيَّنتْها الكواكبُ. وقد بيَّنا الصوابَ فى ذلك عندَنا.
وقولُه: ﴿وَحِفْظًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحفظًا للسماءِ الدنيا زيَّناها بزينةِ الكواكبِ.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبِ قولِه: ﴿وَحِفْظًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: ﴿وَحِفْظًا﴾؛ لأنه بدلٌ من اللفظِ بالفعلِ، كأنه قال: وحفِظناها حفظًا. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما هو من صلةِ التزيينِ؛ إنا زيَّنا السماءَ الدنيا حفظًا لها. وأدخَل الواوَ على التكريرِ؛ أى: وزيَّناها حفظًا لها. فجعَله من التزيينِ. وقد بيَّنتُ (¬١) القولَ فيه عندَنا، وتأويلُ الكلامِ: وحفظًا لها من كل شيطانٍ عاتٍ خبيثٍ زيَّناها.
كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحِفْظًا﴾. يقولُ: جعَلتُها حفظًا من كلِّ شيطانٍ ماردٍ.
وقولُه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (لا يسْمَعون) بتخفيفِ السينِ مِن ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بمعنى أنهم يَتسمَّعون ولا يَسمعون.
Juz 19, hlm. 498 ›
وقرَأه عامةُ قرأةِ الكوفيين بعدُ: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ بمعنى: لا يتسمَّعون، ثم أدغَموا التاءَ فى السينِ فشدَّدوها (¬١).
وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ (¬٢)؛ لأن الأخبارَ الواردةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن أصحابِه، أن الشياطينَ قد تتسمَّعُ (¬٣) الوحىَ، ولكنها تُرْمَى بالشُّهُبِ لئلا تَسْمَعَ.
ذكرُ روايةِ بعضِ ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت للشياطينِ مقاعدُ فى السماءِ. قال: فكانوا يَسمَعون الوحىَ. قال: وكانت النجومُ لا تُجرَى (¬٤)، وكانت الشياطينُ لا تُرْمَى. قال: فإذا سمِعوا الوحىَ نزَلوا إلى الأرضِ، فزادوا فى الكلمةِ تسعًا. قال: فلما بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ جعَل الشيطانُ إذا قعَد مقعدَه جاءه شهابٌ، فلم يُخْطِه حتى يَحرِقَه. قال: فشكَوا ذلك إلى إبليسَ، فقال: ما هو إلا لأمرٍ حدَث. قال: فبَثَّ (¬٥) جنودَه، فإذا رسولُ اللهِ ﷺ قائمٌ يُصلِّى بينَ جَبَلَىْ نخلةَ. قال أبو كريبٍ: قال وكيعٌ: يعنى بطنَ نخلةَ. قال: فرجَعوا إلى إبليسَ فأخبَروه. قال: فقال: هذا (¬٦) الذى حدَث (¬٧).
Juz 19, hlm. 499 ›
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وأحمدُ بنُ يحيى الصوفىُّ، قالا: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ: عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الجنُّ يصعَدون إلى السماءِ الدنيا، يَستمعون الوحىَ، فإذا سمِعوا الكلمةَ زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمةُ فتكونُ حقًّا، وأما ما زادوا (¬١) فيكونُ باطلًا، فلما بُعِث النبىُّ ﷺ مُنِعوا مقاعدَهم، فذكَروا ذلك لإبليسَ، ولم تكنِ النجومُ يُرْمَى بها قبلَ ذلك، فقال لهم إبليسُ: ما هذا إلا لأمرٍ حدَث فى الأرضِ. فبعَث جنودَه، فوجَدوا رسولَ اللهِ ﷺ قائمًا يُصلِّى، فأتَوه فأخبَروه، فقال: هذا الحدثُ الذى حدَث (¬٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا [عبدُ اللهِ] (¬٣) بنُ رجاءٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الجنُّ لهم (¬٤) مقاعدُ. ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى الزهرىُّ، عن علىِّ بنِ الحسينِ (¬٥)، عن ابنِ عباسٍ، قال: حدَّثنى رهطٌ مِن الأنصارِ، قالوا: بينا نحنُ جلوسٌ ذاتَ ليلةٍ معَ رسولِ اللهِ ﷺ، إذ رأى كوكبًا رُمِى به، فقال: "ما تقولون فى هذا الكوكبِ الذى رُمِى (¬٦) به؟ ". فقلنا: يُولَدُ مولودٌ، أو يَهلِكُ هالِكٌ، ويموتُ مَلِكٌ، ويَملِكُ مَلِكٌ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ:
Juz 19, hlm. 500 ›
Pembahasan ayat ini masih 5 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.