Lewati ke konten

QS. As-Saffat: 76 الصافات

وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (29)

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير · الفخر الرازي

وَالْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ الْمُتَنَاهِي فِي الْحَرَارَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا غَلَبَهُمْ ذَلِكَ الْعَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِنْ ذَلِكَ الْحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالْحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُمَا.

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ شَرَابَهُمْ فِي الْقُرْآنِ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا كَوْنُهُ غَسَّاقًا، وَمِنْهَا قَوْلِهِ: وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [مُحَمَّدٍ: ١٥] وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ فِي كَلِمَةِ (ثُمَّ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ؟ قُلْنَا فِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ يملؤون بُطُونَهُمْ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وَهُوَ حَارٌّ يَحْرُقُ بُطُونَهُمْ فَيَعْظُمُ عَطَشُهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَا يُسْقَوْنَ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ وَالْغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّعَامَ بِتِلْكَ الْبَشَاعَةِ وَالْكَرَاهَةِ، ثُمَّ وَصَفَ الشَّرَابَ بِمَا هُوَ أَبْشَعُ مِنْهُ، فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ كَلِمَةِ ثُمَّ بَيَانَ أَنَّ حَالَ الْمَشْرُوبِ فِي الْبَشَاعَةِ أَعْظَمُ مِنْ حَالِ الْمَأْكُولِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ قَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ بَعْدِ أَكْلِ الزَّقُّومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ عِنْدَ شُرْبِ الْحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا فِي الْجَحِيمِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْحَمِيمُ مِنْ مَوْضِعٍ خَارِجٍ عَنِ الْجَحِيمِ، فَهُمْ يُورَدُونَ الْحَمِيمَ لِأَجْلِ الشُّرْبِ كَمَا تُورَدُ الْإِبِلُ إِلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إِلَى الْجَحِيمِ، فَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ، وَاحْتَجَّ عَلَى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ عَذَابَهُمْ فِي أَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ قَالَ: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ قَالَ الْفَرَّاءُ:

الْإِهْرَاعُ الْإِسْرَاعُ يُقَالُ هَرَعَ وَأَهْرَعَ إِذَا اسْتُحِثَّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمُ اتِّبَاعًا فِي سُرْعَةٍ كَأَنَّهُمْ يُزْعَجُونَ إِلَى اتِّبَاعِ آبَائِهِمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى عَلَّلَ اسْتِحْقَاقَهُمْ لِلْوُقُوعِ فِي تِلْكَ الشَّدَائِدِ كُلِّهَا بِتَقْلِيدِ الْآبَاءِ فِي الدِّينِ وَتَرْكِ اتِّبَاعِ الدَّلِيلِ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفَى.

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ مَا يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ فِي كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَقَالَ: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ إِرْسَالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ وَالتَّكْذِيبَ لَهُمْ قَدْ سَلَفَ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتَّى يَصْبِرَ كَمَا صَبَرُوا، وَيَسْتَمِرَّ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ وَإِنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ خِطَابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، إِلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ خِطَابُ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا بِالْأَخْبَارِ جَمِيعَ مَا جَرَى مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ وَعَلَى عَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلَا أَقَلَّ مِنْ ظَنٍّ وَخَوْفٍ يَصْلُحُ أَنْ/ يَكُونَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ كُفْرِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [يونس: ٧٣] فَإِنَّهَا كَانَتْ أَقْبَحَ الْعَوَاقِبِ وَأَفْظَعَهَا إِلَّا عَاقِبَةَ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَقْرُونَةً بِالْخَيْرِ والراحة.

[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢]

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)

إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)

الْقِصَّةُ الأولى- قصة نوح ﵇

Juz 26, hlm. 338 ›

اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ مِنْ قَبْلُ: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [الصافات: ٧١] وقال: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ٧٣] أَتْبَعَهُ بِشَرْحِ وَقَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَالْقِصَّةُ الْأُولَى: حِكَايَةُ حَالِ نُوحٍ ﵇ وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ فِيهِ مَبَاحِثُ:

(الْأَوَّلُ) : أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أَيْ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ نَحْنُ.

الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّ نُوحًا نَادَى وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ فِي أَيِّ الْوَقَائِعِ كَانَ؟ لَا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ نَادَى الرَّبَّ تَعَالَى فِي أَنْ يُنْجِيَهُ مِنْ مِحْنَةِ الْغَرَقِ وَكَرْبِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ نُوحًا ﵇ لَمَّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ بَالَغُوا فِي إِيذَائِهِ وَقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ ﵇ نَادَى رَبَّهُ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى كُفَّارِ قَوْمِهِ، فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنَعَهُمْ مِنْ قَتْلِهِ وَإِيذَائِهِ وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى ضَعْفِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ ﵇ إِنَّمَا دَعَا عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَهْلَهُ، وَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فِيهِ فَكَانَ حُصُولُ تِلْكَ النَّجَاةِ كَالْمَعْلُومِ الْمُتَيَقَّنِ فِي دُعَائِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُقَالَ الْمَطْلُوبُ مِنْ هَذَا النِّدَاءِ حُصُولُ هَذِهِ النَّجَاةِ.

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْ نُوحٍ أَنَّهُ نَادَاهُ قَالَ بَعْدَهُ: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ/ تِلْكَ الْإِجَابَةَ كَانَتْ مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى عَبَّرَ عَنْ ذَاتِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَقَالَ: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ وَالْقَادِرُ الْعَظِيمُ لَا يَلِيقُ بِهِ إِلَّا الْإِحْسَانُ الْعَظِيمُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَعَادَ صِيغَةَ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَذَلِكَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ تِلْكَ النِّعْمَةِ. لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَصَفَ تِلْكَ الْإِجَابَةَ بِأَنَّهَا نِعْمَتِ الْإِجَابَةُ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُصُولَ هَذِهِ الْإِجَابَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى ذَلِكَ النِّدَاءِ، وَالْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ بِالْإِخْلَاصِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْإِجَابَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نِعْمَ الْمُجِيبُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، بَيَّنَ أَنَّ الْإِنْعَامَ حَصَلَ فِي تِلْكَ الْإِجَابَةِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْكَرْبُ الْحَاصِلُ بِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْغَرَقِ، وَعَلَى الثَّانِي الْكَرْبُ الْحَاصِلُ مِنْ أَذَى قَوْمِهِ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَاهُ وَسِوَى ذُرِّيَّتِهِ فَقَدْ فَنُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذُرِّيَّتُهُ بَنُوهُ الثَّلَاثَةُ: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ، فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَفَارِسَ وَالرُّومِ، وَحَامٌ أَبُو السُّودَانِ، وَيَافِثُ أَبُو التُّرْكِ.

النِّعْمَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ يَعْنِي يَذْكُرُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فِي الْعالَمِينَ قُلْنَا مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ بِثُبُوتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ فِيهِمْ جَمِيعًا أَيْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْهَا، كَأَنَّهُ قِيلَ أَثْبَتَ اللَّهُ التَّسْلِيمَ عَلَى نُوحٍ وَأَدَامَهُ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالثَّقَلَيْنِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ

Juz 26, hlm. 339 ›

Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →