تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب عن قولهم، وافترائهم. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى النبي ﷺ، الذي وصفوه افتراء بشاعر ومجنون، ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: جاء ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَصَدَّقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (صدق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الرسول أيضا. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَذائِقُوا:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذائقو): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة. و (ذائقو) مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقرئ بنصب: ﴿الْعَذابِ﴾ شاذا، على تقدير النون، وحذفت النون استخفافا للّفظ، ومثل هذه الآية قول أبي الأسود الدؤلي: [المتقارب]
فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا
بنصب لفظ الجلالة، وتقدير التنوين قبله، وهذا هو الشاهد رقم (٩٦٠) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿الْأَلِيمِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:
إلا الذي كنتم تعملونه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:
﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿وَما تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، أو من الضمير المستتر في اسم الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطعا من الواو، و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ،﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء.
﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: عباد الله المخلصين لهم رزق معلوم، له خصائصه من الدوام، وتمحض اللذة، وهو ما فسره بقوله: ﴿فَواكِهُ﴾ جمع: فاكهة، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾
Juz 8, hlm. 28 ›
﴿بِفاكِهَةٍ﴾ أي: جميع أنواع الفواكه؛ لأن التنكير يعم جميع أجناس الفواكه، فإن الفاكهة ما يقصد للتلذذ دون التغذي، والقوت بالعكس، وأهل الجنة لما أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة عن التحلل؛ كانت أرزاقهم فواكه خالصة. انتهى. بيضاوي. وهذا فيه قصور، كيف وقد ذكر الله أن لهم ما يشتهون من لحوم الطير، وما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين. وقيل: المعنى معلوم الوقت، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ بيان لحالهم، وإن لم يكن هناك بكرة، ولا عشية، فيكون المراد منه معلوم الوقت، وهو مقدار غدوة، وعشية. هذا؛ والأحسن القول:
إن الفواكه مساوية للرزق، فتشمل الخبز، واللحم؛ لأنهما يؤكلان في الجنة تلذذا.
﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ:﴾ في نيل رزقهم، يصل إليهم من غير تعب، وسؤال، كما في رزق الدنيا.
ولهم إكرام من الله-﷿-برفع الدرجات، وسماع كلامه، ولقائه. ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ:﴾
حدائق، وبساتين يتنعمون فيها، ليس فيها إلا النعيم المقيم. ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ:﴾ لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلا، وتحاببا، والتقابل أتم للسرور، وآنس. وقيل: الأسرّة تدور كيف شاؤوا، فلا يرى أحد قفا أحد. وقال ابن عباس-﵄: على سرر مكللة بالدر، والياقوت، والزبرجد.
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ:﴾ قال الزجاج: أي: من خمر تجري، كما تجري العيون على وجه الأرض، ومعين: ماء جار ظاهر للعيون، يقال: معين ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى، أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفاع، أو هو مفعول من: عانه؛ إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-:
﴿مَعِينٍ﴾ اسم فاعل من: معن بضم العين، كشريف من: شرف، أي: من شراب معين، أو نهر معين، ظاهر للعيون، أو خارج من العيون، وهو صفة للماء، من: عان: إذا نبع، وصف الله به خمر الجنة؛ لأنها تجري كالماء.
هذا؛ ولم يذكر الله تعالى هنا الطائفين عليهم، وذكره بسورة (الواقعة) بقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. هذا؛ والكأس عند أهل اللغة: اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك، والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر، قالوا: إناء، وقدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام؛ لم يقل له مائدة.
قال أبو الحسن بن كيسان: ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وأضيف أنه لا يقال: ذنوب وسجل إلا وفيه ماء، وإلا؛ فهو دلو. ولا يقال: جراب إلا؛ وهو مدبوغ، وإلا؛ فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا؛ فهو أنبوب. هذا؛ وقد تسمى الخمر كأسا، تسمية للشيء باسم محله. ﴿بَيْضاءَ:﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن. ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي:
Juz 8, hlm. 29 ›
ذات لذة، فحذف المضاف، وقيل: هو مصدر وصف به للمبالغة، أو لأنها تأنيث «لذ» بمعنى:
لذيذ، مثل: نبات غض، وغضيض. قال الراعي النميري: [الطويل]
ولذّ كطعم الصّرخديّ تركته... بأرض العدا من خشية الحدثان
﴿لا فِيها غَوْلٌ:﴾ غائلة، كما في خمر الدنيا تغتال العقول. قال الشاعر: [المتقارب]
فما زالت الكأس تغتالنا... وتذهب بالأوّل الأوّل
أي: تصرعنا واحدا واحدا. قال ابن عباس-﵄: في الخمر أربع خصال:
السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال. انتهى. فخمر الجنة طعمها طيب كلونها؛ فلا خمار يصدع الرؤوس، ولا سكر، ولا عربدة يذهب لذة الاستمتاع، كما هي الحال في خمر الدنيا. يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، أي: تذهب بها. ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ أي: لا تذهب عقولهم بشربها.
يقال: نزف الرجل ينزف، فهو منزوف، ونزيف: إذا سكر، قال الشاعر: [المتقارب] وإذ هي تمشي كمشي النّزي... ف يصرعه بالكثيب البهر
البهر: الكلال، وانقطاع النفس. وقال جميل بن معمر-وهذا هو الشاهد رقم (١٥٩) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
فلثمت فاها آخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
هذا وقرأ حمزة، والكسائي بكسر الزاي، وتابعهما عاصم في سورة (الواقعة): ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ وذلك من: أنزف الشارب: إذا نفد عقله، أو شرابه، وأصله للنفاد، يقال: نزف المطعون:
إذا خرج دمه كله. ونزحت الركية؛ حتى نزفتها، وهو يفيد أن الفعل يكون لازما، ومتعديا.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفة له، ونائب فاعله محذوف، التقدير: معلوم وقته، أو معلوم صفاته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَواكِهُ:﴾ بدل، أو عطف بيان ل: ﴿رِزْقٌ،﴾ وأجيز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير:
هو ﴿فَواكِهُ،﴾ فتكون الجملة الاسمية هذه في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رِزْقٌ﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:
واو الحال، (هم مكرمون): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير، والعامل في الحال اسم الإشارة، وهو أولى من اعتبار الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي جَنّاتِ:﴾ جار ومجرور فيهما ثلاثة أوجه:
الأول: اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر ثان ل: ﴿أُولئِكَ﴾. والثاني: اعتبارهما متعلقين
Juz 8, hlm. 30 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.