تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾
شرح هذه الآيات وإعرابها تقدم في الآيات رقم [٧٨] و [٧٩] و [٨٠] و [٨١] على هذا الترتيب فلا حاجة إلى إعادة شيء مما ذكرته هناك، ولا إلى الزيادة عليه. هذا؛ وأما (آل ياسين) بفتح الهمزة ومدها، فهو على الإضافة، ففيه وجهان: أحدهما: أن المراد: إلياس، ومن آمن معه فجمعوا معه تغليبا، كقولهم للمهلب، وقومه: المهلبون، وعليه فهو مجموع جمع السلامة بالياء والنون. والوجه الثاني: أن المراد بآل: إلياس، وبياسين: أبوه. وأما على قراءته بكسر الهمزة، والياء والنون؛ فقد جعلوه جمعا منسوبا إلى إلياسين، وإلياسين جمع إلياس، وهو جمع السلامة لكنّ الياء المشدودة في النسب حذفت منه، وأصله: الياسيّ، وتجمع فتقول: إلياسيّين، فالسلام على من نسب إلى إلياس من أمته، والسّلام في الوجه الأول على أهل ياسين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ في سورة (الشعراء) رقم [١٩٨] وأصله في النسب:
الأعجميّين بياء مشددة، ولكن حذفت لثقلها، وثقل الجمع. هذا؛ وقال ابن كثير: أي: إلياس، والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة، وتبدلها من غيرها، كما تقول إسماعيل وإسماعين، وإسرائيل وإسرائين، وإلياس وإلياسين.
قال محمد علي الصابوني: وإنما ختم الآيات بعد ذكر كل رسول بالسلام عليه، وبهاتين الآيتين الكريمتين لبيان فضل الإحسان، والإيمان، وأن هؤلاء الرسل الكرام كانوا جميعا من المتصفين بهذه الصفات، فلذلك استحقوا التحية والسّلام، والذكر الحسن بين الأنام، صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين.
﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ تقدمت قصة لوط-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) وغيرهما. ﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي:
أنجى الله لوطا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ومن معه من أهله، ولم يكن معه سوى ابنتيه، فلم يؤمن به أحد لقوله في سورة (هود): ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ فلم يوجد فيهم رجل رشيد يهتدي إلى الحق والصواب، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وانظر شرح (نا) برقم [٣٤] من سورة (يس).
Juz 8, hlm. 76 ›
﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ:﴾ وهي امرأته، فإنها كانت تسر الكفر، واسمها: واهلة كانت من الغابرين، أي: الذين بقوا في العذاب. والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾. هذا؛ والغابر: اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه: دخل. انتهى. مختار. ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، وحاضرها، كما يقال: في غابر الأزمان، وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي من رثاء أولاده: [الكامل]
فغبرت بعدهمو بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع
وانظر الأضداد في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) فإنه جيد. هذا؛ وعجوز: امرأة طاعنة في السن، ويقال أيضا: شهلة، وشهربة، وشهبرة، وشمطاء، وشيخة لكل امرأة طاعنة في السنّ.
قال صاحب مختار الصحاح: ولا تقل: عجوزة، والعامّة تقوله، والجمع عجائز، وعجز، وفي حديث النبي ﷺ: «إنّ الجنة لا يدخلها العجز».
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ:﴾ أي: أهلكناهم، وكان الإهلاك بقلب قراهم، وجعل عاليها سافلها، ثم بإرسال حجارة من السماء عليهم. انظر ما ذكرته في سورة (الشعراء) رقم [١٧٠]، وما بعدها.
﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ خطاب لقريش وللعرب جميعا. ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ أي: تمرون على منازلهم، وديارهم في ذهابكم، وإيابكم إلى بلاد الشام للتجارة في الليل، والنهار، والصباح، والمساء، وكنت ذكرت لك مرارا: أن قرى قوم لوط كانت في بلاد الأردن، وهي من أرض الشام. هذا؛ وفي الآيات التفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو ظاهر، وواضح، وللالتفات فوائد كثيرة؛ منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة.
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أتشاهدون ديارهم الخربة، ومنازلهم المدمرة، ثم لا تعتبرون، ولا تخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم. هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وكثيرا ما يتبجح بعض الناس، فيسأل: أين يوجد العقل؟. فهذا تبجح لا مبرر له، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم). وسمي العقل: عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، والقبائح، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، وخذ ما يلي: [البسيط]
لم يبق من جلّ هذي الناس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصّور
لا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر
Juz 8, hlm. 77 ›
يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح]
لا يدهمنك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر
في شجر السّرو منهم شبه... له رواء، وما له ثمر
ورضي الله عن حسان بن ثابت إذ يقول: [البسيط]
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير
فقد ورد: أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم: (هذا رجل مجنون) فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل. والعقال بكسر العين: الحبل الذي تربط به ركبة الجمل عند بروكه، ليمنعه من القيام، والمشي. والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط]
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح الناس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
تنبيه: الهمزة في كلمة: ﴿أَفَلا﴾ ومثلها: أولم، وأولا، ونحوهما للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء، والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير. نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله تعالت حكمته: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينهما وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ..﴾. إلخ، ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات... إلخ؟. ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.
الإعراب: ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٤]، فالإعراب مثلها لا يتغير.
﴿نَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (أهله):
Juz 8, hlm. 78 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.