التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
الله، فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين، كما يزعم المشركون الأفاكون الوثنيون، والكفار المتعصبون لدين سابق.
وبعد أن أثبت الله تعالى أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب فيه، أضرب عن ذلك (أي انتقل) إلى قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ ثم كذبهم في دعوى الافتراء.
ثم بيّن الله تعالى مهمة القرآن والنبي ﷺ وهي إنذار الكافرين عذاب الله، ومنهم قريش، قال قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿قَوْماً﴾ يعني قريشا، كانوا أمّة أمّية لم يأتهم ندير من قبل محمد ﷺ.
دلائل التوحيد والقدرة الإلهية﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)﴾
الإعراب:
﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خلق: فعل ماض، وموضع الجملة إما النصف صفة لكل، وإما الجر
Juz 21, hlm. 187 ›
صفة لشيء، ومعناه: أحسن كلّ شيء مخلوق له. ومن قرأ بسكون اللام جعله بدل اشتمال أي بدلا من قوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أو مفعولا ثانيا ل ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى أفهم فيتعدى إلى مفعولين.
﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ من زائدة لتأكيد النفي، أي ليس لكم ناصر مطلقا.
البلاغة:
﴿الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ بينهما طباق.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: وجعل له فعدل إلى ضمير الجماعة، مراعاة لخطاب الإنسان الذي صار حيّا بنفخ الروح فيه مع ذريته.
المفردات اللغوية:
﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ من الأحد إلى الجمعة، والأيام: جمع يوم، وهو عند العرب جزء من اليوم، ويراد به لغة: الوقت. ﴿اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العرش: أعظم المخلوقات، وهو لغة:
سرير الملك، والاستواء عليه: هو شيء يليق بالله ﷿ دون حصر ولا كيف ولا تحديد بجهة معينة. ﴿ما لَكُمْ﴾ أيها الكفار وغيركم. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من غيره. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي ناصر. ﴿وَلا شَفِيعٍ﴾ يشفع بكم ليدفع العذاب عنكم. والمعنى: ليس لكم غير الله ناصر ولا شفيع، بل هو الذي يتولى مصالحكم، وينصركم في مواطن النصر. ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ الله فتؤمنوا؟! ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي يدبر أمر الدنيا مدة بقائها، وينظم شؤونها وأحوالها الواقعة فيها تدبيرا وتنظيما شاملا مبتدئا من السماء ومنتهيا إلى الأرض. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ثم يصعد إليه ويرجع الأمر والتدبير ويثبت في علمه. ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا، أي يصعد إليه في برهة من الزمان متطاولة وهو يوم القيامة، وتقديره بألف سنة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر، وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة مكتوبة، يصليها في الدنيا، كما جاء في الحديث الثابت. ﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي ذلك الخالق المدبر يدبر الكون على وفق الحكمة، وعلى وفق علمه الشامل الذي يعلم ما غاب عن الخلق وما حضر، المنيع في ملكه، الغالب على أمره، الرحيم بأهل طاعته وتدبيره أمر العباد. قال البيضاوي: وفيه إيماء إلى أنه تعالى يراعي مصالح الناس تفضلا وإحسانا.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي أتقن ما خلقه، موفرا له كل ما يحتاجه على وفق الحكمة والمصلحة. ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ﴾ يعني آدم ﴿نَسْلَهُ﴾ ذريته، سميت به؛ لأنها تنسل منه أي تنفصل. ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ نطفة. ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ ممتهن ضعيف، وهو النطفة. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ قوّمه بتصوير أعضائه على ما ينبغي وأتّمه. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أضافه إلى نفسه تشريفا،
Juz 21, hlm. 188 ›
وإشعارا بأنه خلق عجيب، وأن له شأنا، والمعنى: جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ لذريته. ﴿السَّمْعَ﴾ أي الإسماع. ﴿وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ خصص هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ تشكرون شكرا قليلا، و ﴿ما﴾ زائدة مؤكدة للقلة.
المناسبة:
بعد ما أثبت الله تعالى صحة الرسالة، ذكر ما يجب على الرسول من الدعوة إلى توحيد الله، وزوده بما يحتاجه من إقامة الأدلة والبراهين على ذلك، لإنجاح مهمته.
التفسير والبيان:
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي إن الله تعالى هو خالق الأشياء، فخلق السموات والأرض وأبدعهما وفطرهما وما بينهما لا على مثال سابق، في مدة ستة أيام، أي في أجزاء ستة من الوقت، ليست هي الأيام المعروفة؛ لأنه قبل خلقها لم يكن ليل ولا نهار. وقال الحسن البصري:
«من أيام الدنيا» ولو شاء لخلقها بلمح البصر، ولكن أراد أن يعلّم عباده التأني في الأمور.
﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي استولى على ملكه يدبر أمره ويحكم شأنه، أو استوى استواء يليق بجلاله وعظمته على العرش الذي هو أعظم المخلوقات، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا يحده زمان ومكان، ولا تدركه الأبصار إدراك إحاطة وشمول، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.
﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ أي ليس لكم أيها الناس، ولا سيما الكفار من غير الله ناصر يدفع عنكم عذابه ويلي أموركم، ولا شافع يشفع لكم عنده إلا بإذنه، بل هو المالك المطلق لكل شيء، فيتولى ما فيه المصلحة، ويدبر الأمور، دون تدخل من أحد، ولا حاجة لأحد؛ لأنه وحده القادر على كل شيء، والمهيمن على جميع الأشياء.
Juz 21, hlm. 189 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.