﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً..﴾. إلخ: قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك؛ إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هذا مثل ضربه الله للمشركين، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله، ونفسه مثله؟! فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم، فكيف جعلتم لله شركاء؟.
هذا؛ وقال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض، ونفيها عن الله سبحانه، وذلك: أن الله ﷿ لما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً..﴾. إلخ فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا. فيقال لهم: فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم، وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي؟! فهذا حكم فاسد، وقلة نظر، وعمى قلب، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم، فيما يملكه السادة، والخلق كلهم عبيد الله، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبق إلا أنه يستحيل أن يكون له شريك؛ إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال، والعمل، والقديم الأزلي منزه عن ذلك. وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك. انتهى. قرطبي.
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ: منتزعا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم. ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من عبيدكم، ومماليككم. ﴿مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي: من الأموال، وغيرها. ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم، فتكونون أنتم وهم فيه شرك يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم، وأن أموالكم معارة لكم؟.
﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أي: تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكما دون إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم. ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كما يخاف بعض الأحرار بعضا، فيما هو مشترك بينهم. فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم؛ فكيف ترضون لرب الأرباب، ومالك الأحرار، والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل هذا التفصيل. ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ:﴾
نبينها؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني، ويوضحها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ يفهمون، وإذا فهموا؛ تدبروا، وإذا تدبروا؛ اتعظوا وتذكروا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا ووحدوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله.
فاستعمال العقل يؤدي إلى كل خير، وعدم استعماله يجعل الإنسان في عداد البهائم.
Juz 7, hlm. 268 ›
هذا؛ وأما النفس، فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا؛ أم أنثى، فعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.
قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:
روحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار، وهذا ما تدل عليه الآثار الصحاح، انظر رقم [٤٢] من سورة (الزمر).
هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن للنفس خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضيّة، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق؛ لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت لوامة. وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها، إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت ملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس، الشهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة. فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سميت كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.
وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم التي بين جنوبكم!».
الإعراب: ﴿ضَرَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: في محل مفعول ثان تقدم على الأول. ﴿مَثَلاً:﴾
مفعول به. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَثَلاً،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام توبيخي إنكاري. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار
Juz 7, hlm. 269 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.