التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
قصة عيسى ﵇
﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾
الإعراب:
﴿إِذْ﴾ ظرف زمان ماض، وهو بدل من قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في الآية السابقة.
﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ اسمه المسيح: جملة اسمية في موضع صفة لكلمة. و ﴿عِيسَى﴾:
بدل من المسيح.
Juz 3, hlm. 228 ›
﴿اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ إما بدل من ﴿عِيسَى﴾ أو خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو ابن مريم، ولا يجوز أن يكون وصفا لعيسى؛ لأن اسمه عيسى فقط، وليس اسمه: عيسى بن مريم. وإذا كان كذلك وجب إثبات الألف في الخط من قوله: ابن مريم؛ لأن الألف من ﴿اِبْنُ﴾ إنما تسقط إذا وقعت وصفا بين علمين، ولا يجوز أن يكون هاهنا وصفا، فوجب أن تثبت.
﴿وَجِيهاً﴾ ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ ﴿وَكَهْلاً﴾ ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ﴾ ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: كل ذلك أحوال من عيسى.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: الجر بدلا من ﴿بِآيَةٍ﴾ والرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره:
هو أني أخلق، والنصب بدلا من «أن» في قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ وهي في موضع نصب، وتقديره: جئتكم بأني قد جئتكم، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به. ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر محذوف وتقديره: خلقا مثل هيئة الطير. وهاء ﴿فِيهِ﴾ إما أن تعود على الهيئة وهي الصورة بمعنى المهيأ، أو تعود على المخلوق لدلالة: أخلق عليه، أو تعود على الكاف في: كهيئة الطير؛ لأنها بمعنى «مثل».
﴿وَمُصَدِّقاً﴾ منصوب على الحال من تاء ﴿جِئْتُكُمْ﴾ أي جئتكم مصدقا.
البلاغة:
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ كناية عن الجماع، مثل الكناية عنه بالحرث واللباس والمباشرة.
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يوجد طباق بين لفظي ﴿لِأُحِلَّ﴾ و ﴿حُرِّمَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ المراد بها عيسى، وسمي بالكلمة لأنه وجد بكلمة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿الْمَسِيحُ﴾ لفظ معرب من العبرانية، وأصله: مشيحا؛ لأنه مسح بالبركة أو بالدهن الذي يمسح به الأنبياء، وهو دهن طيب الرائحة. وعيسى: معرب يسوع بالعبرانية.
﴿وَجِيهاً﴾ ذا جاه وكرامة في الدارين ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بالنبوة ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالشفاعة والدرجات العلا ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عند الله ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ مقر الصبي حين الرضاع ﴿وَكَهْلاً﴾ الكهل: الرجل التام السوي، وهو من بلغ الأربعين فأكثر ﴿قَضى﴾ أراد شيئا ﴿الْكِتابَ﴾ الكتابة والخط ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع وهو الذي يبصّر الإنسان بفقه الأحكام وسر التشريع.
﴿وَالتَّوْراةَ﴾ كتاب موسى ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ كتاب عيسى الذي أوحي إليه به.
Juz 3, hlm. 229 ›
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ أصور، والخلق: التصوير والتكوين على مقدار معين، لا الإنشاء والاختراع ﴿كَهَيْئَةِ﴾ مثل صورة الطير ﴿الْأَكْمَهَ﴾: من ولد أعمى ﴿الْأَبْرَصَ﴾: الذي به برص أي بياض في الجلد يتطير به ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بإرادته.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة زكريا ويحيى أقارب عيسى، وذكر قصة أمه، ناسب أن يذكر قصة عيسى وكيفية ولادته.
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك وقت أن قال جبريل من الملائكة: إن الله يبشرك يا مريم بعيسى الموصوف بالكلمة على معنى: نبشرك بمكون منه أو بموجود من الله، إيذانا بأنه خلق خلقا غير عادي، استحق أن يوصف بهذه الصفة، وإن كان في الواقع أن جميع الكائنات وجدت بكلمة الله كما ذكر عقب خلق عيسى بقوله: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ وذكر في مكان آخر:
﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦] لكن في العرف تنسب الأشياء الأخرى إلى الأسباب العادية، وأطلق اسم الكلمة على عيسى مجازا كما قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء ١٧١/ ٤].
والمراد من الملائكة هنا جبريل، لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا، فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧/ ١٩] وذكر بلفظ الجمع؛ لأنه رئيسهم.
اسمه المسيح الذي جاء لرفع الظلم وهداية الناس وإشاعة الأخوة الصادقة فيما بينهم، وكانت مملكته روحانية لا جسدية. والمسيح: لقب الملك عندهم، فهو من ألقاب المدح. وقال القرطبي: معناه الصدّيق.
وإنما قيل: ابن مريم، مع أن الخطاب لها، إشارة إلى أنه ينسب لها، لولادته من غير أب، وليظل هذا الوصف ثابتا مقررا في الأذهان في كل زمان،
Juz 3, hlm. 230 ›
Pembahasan ayat ini masih 5 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.