تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
[﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾].
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ إعلام بأن حال الشهداء حال الأحياء؛ من التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين؛ فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ المعنى: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين
Juz 1, hlm. 597 ›
بَقُوا في الدنيا من بعدهم؛ لأنهم يرجون أن يُسْتَشهدوا مثلهم، فينالوا مثل ما نالوا من السَّعادة.
﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ في موضع المفعول من أجله، أو بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ كُرِّر ليُذكر ما تعلَّق به من النعمة والفضل.
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ صفةٌ لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو مبتدأ وخبره: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ الآية.
ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ في اتِّباع المشركين بعد غزوة أحد، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم جراحاتٌ وشدائدُ، فتجلَّدوا وخرجوا، فمدحهم الله بذلك.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية؛ لما خرج رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد بعد أحد، بلغ ذلك أبا سفيان، فمرَّ عليه ركْبٌ من عبد القيس يريدون المدينة بالميرة، فجعل لهم حِمْلَ بعيرٍ من زبيب على أن يثبِّطوا المسلمين عن اتِّباع المشركين، فخوَّفوهم بهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وخرجوا.
فـ ﴿النَّاسُ﴾ الأول: ركْب عبد القيس، و ﴿النَّاسُ﴾ الثاني: مشركو قريش.
وقيل: نادى أبو سفيان يوم أحد: موعدنا بدرٌ في العام القابل، فقال رسول الله ﷺ: «إن شاء الله»، فلما كان العام القابل خرج رسول الله ﷺ إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نُعيم بن مسعود الأشجعيَّ ليثبِّط المسلمين.
Juz 1, hlm. 598 ›
فعلى هذا: ﴿النَّاسُ﴾ الأول: نعيم، وإنما قيل له: «الناس» وهو واحد؛ لأنه من جنس الناس، كقولك: ركبت الخيل؛ إذا ركبت فرسًا.
﴿فَزَادَهُمْ﴾ الفاعل ضمير المقُول، وهو: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾.
والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا: قَوِيَ يقينهم وثقتهم بالله.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كلمةٌ يُدفع بها ما يخاف ويكره، وهي التي قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار.
ومعنى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كافينا الله وحده؛ فلا نخاف غيرَه.
ومعنى: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ثناءٌ على الله، وأنه خير مَنْ يتوكَّل العبدُ عليه ويلجأ إليه.
﴿فَانقَلَبُوا﴾ أي: رجعوا بنعمة السَّلامة وفضل الأجر.
﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ لخروجهم مع رسول الله ﷺ.
﴿ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ المراد به هنا: أبو سفيان، أو نعيم الذي أرسله أبو سفيان أو إبليس.
و ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الشَّيْطَانُ﴾ خبره، وما بعده استئناف.
أو: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ نعتٌ، وما بعده خبر.
﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم أيها المؤمنون أولياءه؛ وهم الكفار، فالمفعول الأول محذوف، ويدل عليه: قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، وقراءةُ ابن عباس وابن مسعود: «يخوفكم أولياءه».
Juz 1, hlm. 599 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.