البحر المحيط في التفسير - ط الفكر
· أبو حيان الأندلسي
فَقَدَ هُدِيَ وَهُوَ مَاضِيَ اللَّفْظِ مُسْتَقْبَلَ الْمَعْنَى، وَدَخَلَتْ قَدْ لِلتَّوَقُّعِ، لِأَنَّ الْمُعْتَصِمَ بِاللَّهِ مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدَى.
وَذَكَرُوا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ: الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْإِنْكَارُ فِي لِمَ تَكْفُرُونَ لِمَ تَصُدُّونَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَالتَّكْرَارُ: فِي يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَفِي اسْمِ اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ، وَفِيمَا يَعْمَلُونَ، وَالطِّبَاقُ: فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَفِي الْكُفْرِ إِذْ هُوَ ضَلَالٌ وَالْهِدَايَةِ، وَفِي الْعِوَجِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَالتَّجَوُّزُ: بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْجَمْعِ فِي فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَقِيلَ: هُوَ يَهُودِيٌّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. وَقِيلَ: هُوَ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ الْيَهُودِيُّ. وَإِطْلَاقُ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ: فِي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. وَالْحَذْفُ فِي مواضع.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٢ الى ١١٢]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
Juz 3, hlm. 283 ›
أَصْبَحَ: مِنَ الْأَفْعَالِ النَّاقِصَةِ لِاتِّصَافِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ وَقْتَ الصَّبَاحِ. وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى صَارَ وَهِيَ نَاقِصَةٌ أَيْضًا، وَتَأْتِي أَيْضًا لَازِمَةً تَقُولُ: أَصْبَحْتُ أَيْ دَخَلْتُ فِي الصَّبَاحِ.
وَتَقُولُ: أَصْبَحَ زَيْدٌ، أَيْ أَقَامَ فِي الصَّبَاحِ وَمِنْهُ.
إِذَا سَمِعْتَ بِسُرَى الْقَيْنِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُصَبِّحٌ، أَيْ مُقِيمٌ فِي الصَّبَاحِ.
شَفَا الشَّيْءُ طَرْفُهُ وَحَرْفُهُ، وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ، وَتَثْنِيَتُهُ: شَفَوَانِ، وَهُوَ حَرْفُ كل جرم لَهُ مَهْوًى كَالْحُفْرَةِ وَالْبِئْرِ وَالْجُرْفِ وَالسَّقْفِ وَالْجِدَارِ. وَيُضَافُ فِي الِاسْتِعْمَالِ إِلَى الْأَعْلَى نَحْوَ: شَفَا جُرُفٍ. وَإِلَى الأسف نَحْوَ: شَفَا حُفْرَةٍ. وَيُقَالُ: أَشَفَى عَلَى كَذَا أَيْ أَشْرَفَ. وَمِنْهُ أَشَفَى الْمَرِيضُ عَلَى الْمَوْتِ. قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلِلْقَمَرِ عِنْدَ مُحَاقِهِ وَلِلشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا مَا بَقِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا إِلَّا شَفَا أَيْ قَلِيلٌ..
الْحُفْرَةُ: مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ وَاحِدَةُ الْحُفَرِ، فِعْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، كَغُرْفَةٍ مِنَ الْمَاءِ. أَنْقَذَ خَلَّصَ.
الِابْيِضَاضُ وَالِاسْوِدَادُ مَعْرُوفَانِ، وَيُقَالُ: بَيَّضَ فَهُوَ أَبْيَضُ. وَسَوَّدَ: فَهُوَ أَسْوَدُ، وَيُقَالُ:
هُمَا أَصْلُ الْأَلْوَانِ. ذَاقَ الشَّيْءَ اسْتَطْعَمَهُ، وَأَصْلُهُ بِالْفَمِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَا يُحَسُّ وَيُدْرَكُ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ بِالَّذِي يُعْرَفُ عِنْدَ الطَّعْمِ. تَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ ذُقْتُ مِنْ إِكْرَامِ فُلَانٍ مَا يُرَغِّبُنِي فِي قَصْدِهِ. وَيَقُولُونَ: ذُقِ الْفَرْقَ وَاعْرِفْ مَا عِنْدَهُ. وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
أَوْ كَاهْتِزَازِ رُدَيْنَيٍ تَذَاوَقَهُ ... أَيْدِي التِّجَارِ فَزَادُوا مَتْنَهُ لِينَا
وَقَالَ آخَرُ:
وَإِنَّ اللَّهَ ذَاقَ حُلُومَ قيس ... فلما راء حفتها قَلَاهَا
يَعْنُونَ بِالذَّوْقِ الْعِلْمَ، إِمَّا بِالْحَاسَّةِ، وَإِمَّا بِغَيْرِهَا. ثققت الرَّجُلَ غَلَبْتُهُ وَظَفِرْتُ بِهِ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. لَمَّا حَذَّرَهُمْ تَعَالَى مِنْ إِضْلَالِ مَنْ يُرِيدُ
Juz 3, hlm. 284 ›
إِضْلَالَهُمْ، أَمَرَهُمْ بِمَجَامِعِ الطَّاعَاتِ، فَرَهَّبَهُمْ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: اتَّقَوُا اللَّهَ، إِذِ التَّقْوَى إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْوِيفِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، ثُمَّ جَعَلَهَا سَبَبًا لِلْأَمْرِ بِالِاعْتِصَامِ بِدِينِ اللَّهِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الرَّهْبَةَ بِالرَّغْبَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأَعْقَبَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى وَالْأَمْرَ بِالِاعْتِصَامِ بِنَهْيٍ آخَرَ هُوَ مِنْ تَمَامِ الِاعْتِصَامِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالرَّبِيعُ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ: حَقَّ تُقَاتِهِ هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيَشْكُرَ فَلَا يُكْفَرَ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا. وَقِيلَ: حَقَّ تُقَاتِهِ اتِّقَاءَ جَمِيعَ مَعَاصِيهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَالرَّبِيعُ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «١» أُمِرُوا أَوَّلًا بِغَايَةِ التَّقْوَى حَتَّى لَا يَقَعَ إِخْلَالٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ نُسِخَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ: هي حكمة. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَيَقُومُ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوِ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ. وَقِيلَ: لَا يَتَّقِي اللَّهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقَاتِهِ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَعْنَى جَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: وَفِي حَرْفِ حَفْصَةَ اعْبُدُوا اللَّهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ. وَتُقَاةٌ هُنَا مَصْدَرٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً «٢» .
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ التُّقَاةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَمْعُ فَاعِلٍ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنْهُ، فَيَكُونُ: كَرُمَاةٍ وَرَامٍ، أَوْ يَكُونُ جَمْعُ تَقِيٍّ، إحد فَعِيلٌ وَفَاعِلٌ بِمَنْزِلَةٍ. وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: اتَّقَوُا اللَّهَ كَمَا يَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ الْمُخْتَصُّونَ بِهِ، وَلِذَلِكَ أُضِيفُوا إِلَى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْبُو عَنْهُ هَذَا اللَّفْظُ، إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: حَقَّ تُقَاتِهِ مِنْ باب إضافة إِلَى مَوْصُوفِهَا، كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ، أَيِ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ.
فَكَذَلِكَ هَذَا أَيِ اتَّقَوُا اللَّهَ الِاتِّقَاءَ الْحَقَّ، أَيِ الْوَاجِبَ الثَّابِتَ. أَمَّا إِذَا جُعِلَتِ التُّقَاةُ جَمْعًا فَإِنَّ التَّرْكِيبَ يَصِيرُ مِثْلَ: اضْرِبْ زَيْدًا حَقَّ ضِرَابِهِ، فَلَا يَدُلُّ هَذَا التَّرْكِيبُ عَلَى مَعْنَى: اضْرِبْ زَيْدًا كَمَا يَحِقُّ أَنْ يَكُونَ ضِرَابُهُ. بَلْ لَوْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّرْكِيبِ لَاحْتِيجَ فِي فَهْمِ مَعْنَاهُ إِلَى تَقْدِيرِ أَشْيَاءَ يَصِحُّ بِهَا الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: اضْرِبْ زَيْدًا ضَرْبًا حَقًّا كَمَا يَحِقُّ أَنْ يَكُونَ ضَرْبُ ضِرَابِهِ. وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إِلَى تَحْمِيلِ اللَّفْظِ غَيْرَ ظَاهِرِهِ وَتَكَلُّفِ تَقَادِيرٍ يَصِحُّ بِهَا مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ.
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ظَاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَمُوتُوا إِلَّا وَهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِالْإِسْلَامِ. وَالْمَعْنَى: دُومُوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يُوَافِيَكُمُ الْمَوْتُ وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَنَظِيرُهُ مَا حكى
Juz 3, hlm. 285 ›
Pembahasan ayat ini masih 20 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.