تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
المبتدأ؛ إن اعتبرتها مهملة، والجملة الاسمية على الوجهين معطوفة على ما قبلهما، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾
الشرح: قال المهدويّ-رحمه الله تعالى-: وجه اتصال هذا بما قبله: أنه لمّا ذكر أحوال المؤمنين، والكافرين، وأنّه لا يريد ظلما للعالمين؛ وصله بذكر اتّساع قدرته، وغناه عن الظلم بكون ما في السّماوات، وما في الأرض له؛ حتّى يسألوه، ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره. انتهى قرطبي. والمراد: كلّ ما فيهما ملك لله تعالى ملكا، وخلقا، وعبيدا. وفي: ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل؛ لأنّهم أكثر. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: أمور الخلق كلّهم يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. هذا؛ والفعل يقرأ بالبناء للمجهول، فيكون من المتعدّي، ويقرأ بالبناء للمعلوم فيكون من اللّازم؛ لأن هذا الفعل يكون متعدّيا، ولازما، فمن المتعدي صراحة قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾. ومن اللازم قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُ:﴾ فعل مضارع يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول. ﴿الْأُمُورُ:﴾ فاعله، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)﴾
الشرح: ذكر الخازن-رحمه الله تعالى-: أن سبب نزول الآية مثل ما ذكرته في الآية رقم [١٠٠] ولا وجه له، بل هو كلام مستأنف. ومعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾. إلخ؛ أي: في علم الله تعالى، أو في اللّوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدّمين. و ﴿خَيْرَ﴾ أفعل تفضيل، أصله:
أخير، نقلت حركة الياء للخاء قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في حبّ، وشرّ، اسمي تفضيل؛ إذ أصلها أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان
Juz 2, hlm. 202 ›
المتماثلان في بعضهما، ثمّ حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل «خير» و «شر» على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): («سيعلمون غدا من الكذّاب الأشر») بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجّاج: [الرجز]
يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
و: خير، وشر، وحب، يستعملن بصيغة واحدة للمذكّر، والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع؛ لأنهنّ بمعنى أفعل، كما رأيت. ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٤] وخذ هنا ما يلي:
عن حذيفة بن اليمان-﵁: أنّ النبيّ ﷺ قال: «والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله لأن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم تدعونه، فلا يستجاب لكم». أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجة. وعن درّة بنت أبي لهب-﵂ قالت: قلت يا رسول الله ﷺ! من خير النّاس؟ قال: «أتقاهم للرّبّ، وأوصلهم للرّحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر». رواه البيهقيّ، وغيره. وقال الإمام أحمد: قام رجل إلى النبيّ ﷺ؛ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله! أيّ النّاس خير؟ ... إلخ الحديث، وذكر ما روته درّة.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ:﴾ الإيمان بالله يتضمن كلّ ما أمر أن يؤمن به. وإنّما أخّره، وحقّه أن يقدّم؛ لأنّه قصد بذكره الدّلالة على أنّهم أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر إيمانا بالله، وتصديقا به، وإظهارا لدينه. وأيضا: فالإيمان يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة، وإنّما فضّلت هذه الأمّة الإسلاميّة على غيرها بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فكان ذلك سببا في تأخير الإيمان بالذّكر.
﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أي: اليهود، والنّصارى بمحمّد ﷺ، وبالدّين الذي جاء به.
﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي: لكان الإيمان خيرا لهم ممّا هم فيه من الرّئاسة، ومن حطام الدّنيا؛ الذي اغترّوا فيه، ولو أنّهم آمنوا؛ لحصل لهم عزّ الدنيا، وسعادة الآخرة. ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبد الله بن سلام، وأصحابه؛ الّذين أسلموا من اليهود، والنّجاشي، وأصحابه؛ الّذين أسلموا من النصارى. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: المتمرّدون في الكفر، والطّغيان، والفساد. بعد هذا فخد ما يلي بشأن هذه الأمة.
ففي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «أنتم توفون سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿». وإنّما حازت هذه الأمّة قصب السبق إلى الخيرات بنبيّها ﷺ فإنّه أشرف خلق الله، وأكرم الرّسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيّ، ولا رسول قبله، فالعمل على منهاجه، وسبيله يقوم القليل منه مالا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه. ومن قوله ﷺ من الأمور التي خصّه الله بها: «وجعلت أمّتي خير الأمم». رواه الإمام أحمد من حديث عليّ، كرّم الله وجهه.
Juz 2, hlm. 203 ›
وعن ابن مسعود-﵁، قال: قال النبيّ ﷺ: «عرضت عليّ أمّتي بالمواسم، فراثت (تأخرت) عليّ أمّتي، ثمّ رأيتهم، فأعجبتني كثرتهم، وهيئتهم، قد ملئوا السّهل، والجبل.
فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم، قال: فإنّ مع هؤلاء سبعين ألفا، يدخلون الجنّة بغير حساب، وهم الّذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكّاشة».
وعنه-﵁-قال: قال يا رسول الله ﷺ: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة» فكبّرنا.
ثمّ قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» فكبّرنا. ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟». أخرجه الشّيخان. فهذه الأحاديث في معنى الآية الكريمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾.
إلخ، فمن اتصف من هذه الأمّة بهذه الصّفات؛ دخل معهم في هذا المدح، كما قال قتادة- رحمه الله تعالى-: بلغنا: أنّ عمر-﵁-في حجّة حجّها رأى من الناس كثرة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾. إلخ، ثمّ قال: (من سرّه أن يكون من هذه الأمّة؛ فليؤدّ شرط الله فيها). رواه ابن جرير.
ومن لم يتّصف بذلك أشبه أهل الكتاب؛ الذين ذمّهم الله بقوله: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. ولهذا مدح الله هذه الأمة على هذه الصّفات. هذا؛ وقال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السّنن: عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وعدني ربّي أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفا، مع كلّ ألف سبعون ألفا، لا حساب عليهم، ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربّي، ﷿». وأكتفي بهذا القدر بشأن هذه الأمّة.
الإعراب: ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿خَيْرَ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه، وقال القرطبيّ، وغيره: (كان) التّامة، والمعنى: خلقتم، ووجدتم خير أمّة، و ﴿خَيْرَ﴾ حال من تاء الفاعل.
وقيل: (كان) زائدة، والمعنى أنتم خير أمّة. وليسا بشيء؛ لأنّ كان من أفعال الاستمرار تصلح لكلّ زمان، مثل قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ وزيادة «كان» لا تقع إلا بين شيئين متلازمين، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
وقد تزاد كان في حشو ك: ما... كان أصحّ علم من تقدّما
﴿أُخْرِجَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿أُمَّةٍ﴾ والتاء للتأنيث.
﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة: ﴿أُمَّةٍ﴾. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ فعل مضارع
Juz 2, hlm. 204 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.