التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
جاء في الخبر: في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه، كما أجابه، وينجّيه كما أنجاه.
ومن فضل الله ورحمته أن هذا الإنجاء لمن استغاث بالله واستعان به ليس خاصا بيونس ﵇، وإنما هو شامل لكل المؤمنين إذا استغاثوا بالله، وطلبوا رحمته، فإن الله تعالى يخلصهم من همهم بما سبق من عملهم. وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات ١٤٤/ ٣٧].
وهذا من حفظ الله لعبده يونس رعى له حق تعبده، وحفظ له ما أسلف من الطاعة.
والله يجيب دعاء الداعين في أي مكان، لذا
قال ﷺ: «لا تفضلوني على يونس بن متى فإني لم أكن، وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه، وهو في قعر البحر في بطن الحوت» (¬١). وهذا دليل على أن الباري ﷾ ليس في جهة معينة.
القصة التاسعة والعاشرة-قصة زكريا ويحيى ﵉
مع قصة مريم
﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)﴾
Juz 17, hlm. 120 ›
الإعراب:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ ﴿وَالَّتِي﴾: منصوب بفعل مقدر، أي: واذكر التي أحصنت.
﴿آيَةً﴾ منصوب مفعول ثان بجعل. وقال: ﴿آيَةً﴾، ولم يقل: آيتين لوجهين:
أحدهما-لأن التقدير: وجعلناها آية، وجعلنا ابنها آية، إلا أنه اكتفى بذكر الثاني عن ذكر الأول. والثاني-أن يكون ﴿آيَةً﴾ في تقدير التقديم، أي وجعلناها آية للعالمين وابنها، والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ بينهما طباق.
﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ نسب الروح إليه تعالى تشريفا وتكريما، مثل ﴿ناقَةُ اللهِ﴾ [الأعراف ٧٣/ ٧ ومواضع أخرى].
المفردات اللغوية:
﴿وَزَكَرِيّا﴾ أي واذكر زكريا. ﴿إِذْ نادى﴾ بدل منه، أي دعا ربه بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي لا تتركني وحيدا بلا ولد يرثني. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ الباقي بعد فناء خلقك، فإن لم ترزقني من يرثني، فلا أبالي. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي نداءه. ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي أصلحناها للولادة، فأتت بالولد بعد عقمها. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي المذكورين من الأنبياء ﵈. ﴿يُسارِعُونَ﴾ يبادرون. ﴿فِي الْخَيْراتِ﴾ أي الطاعات. ﴿رَغَباً﴾ في رحمتنا.
﴿وَرَهَباً﴾ من عذابنا. ﴿خاشِعِينَ﴾ متواضعين في عبادتهم.
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ﴾ أي واذكر مريم التي حفظت فرجها من أن ينال بالحلال أو الحرام.
﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أي أحيينا عيسى وأوجدناه في جوفها، ويجوز أن يراد: وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل ﵇، حيث نفخ في جيب درعها (قميصها) فوصل النفخ إلى جوفها. ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ هم الإنس والجن والملائكة حيث ولدته من غير رجل. ولم يقل: آيتين، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢/ ١٧] لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل.
Juz 17, hlm. 121 ›
المناسبة:
بعد بيان النعم الخاصة بكل نبي، أبان الله تعالى ما أنعم به على زكريا ﵇ بمنحه الولد، في حال الكبر هو وزوجته، وبعد أن مسّه الضر بتفرده، فدعا ربه أن يرزقه الولد، وأحب أن يكون معه من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته.
وكان دعاؤه دعاء مخلص عارف بأن الله تعالى قادر على ذلك، وإن بلغ هو وزوجته سن اليأس من الولد، بحسب العادة. قال ابن عباس ﵄:
كان سنّه مائة، وسن زوجته تسعا وتسعين.
ثم ذكر تعالى قصة مريم وولادتها عيسى، لما بين ولادته وولادة يحيى من الغرابة وتشابه المعجزة. وتقدمت القصتان في سورتي آل عمران ومريم.
التفسير والبيان:
﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ..﴾. أي واذكر أيها الرسول خبر زكريا حين طلب أن يهبه الله ولدا، يكون من بعده نبيا، فدعا ربه خفية عن قومه قائلا:
ربّ لا تتركني وحيدا، لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في دعوة الناس إليك، وأنت الباقي بعد فناء خلقك، فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي، فإنك خير وارث. وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ دعاء وثناء.
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي فأجبنا نداءه ومطلبه، ووهبناه ولدا اسمه يحيى، وأصلحنا له امرأته بإزالة موانع الولادة، فولدت بعد العقم وفي حال الكبر.
﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ أي إن المذكورين من الأنبياء ﵈، ومنهم زكريا وزوجه كانوا يبادرون إلى طاعتنا والتقرب إلينا، أو إلى
Juz 17, hlm. 122 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.