Lewati ke konten

QS. Al-Anbiya': 48 الأنبياء

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (30)

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير · ابن عاشور

تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً. وَالتَّقْدِيرُ: وَكَفَى النَّاسَ نَحْنُ فِي حَالِ حِسَابِهِمْ.

وَمَعْنَى كَفَاهُمْ نَحْنُ حَاسِبِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَطَلَّعُونَ إِلَى حَاسِبٍ آخَرَ يَعْدِلُ مِثْلَنَا. وَهَذَا تَأْمِينٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُجَازَى أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ. وَفِي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ الْعَذَابِ وَتَرْغِيبٌ فِي الثَّوَابِ.

وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حاسِبِينَ مُرَاعًى فِيهِ ضَمِيرُ الْعَظَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى بِنا، وَالْبَاءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ: كَفَيْنَا النَّاسَ، وَهَذِهِ الْبَاءُ تَدْخُلُ بَعْدَ فِعْلِ (كَفَى) غَالِبًا فَتَدْخُلُ عَلَى فَاعِلِهِ فِي الْأَكْثَرِ كَمَا هُنَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فِي [سُورَةِ النِّسَاءِ: ٧٩] . وَتَدْخُلُ عَلَى مَفْعُولِهِ كَمَا

فِي الْحَدِيثِ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»

. وَانْتَصَبَ حاسِبِينَ عَلَى الْحَالِ أَوِ التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ كَفى. وَتَقَدَّمَتْ نَظَائِرُ هَذَا التَّرْكِيبِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فِي [سُورَة النِّسَاء: ٧٩] .

[٤٨- ٥٠]

[سُورَة الْأَنْبِيَاء (٢١) : الْآيَات ٤٨ إِلَى ٥٠]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)

عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٥] لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْإِقْنَاعِيَّةِ وَالزَّجْرِيَّةِ، ثُمَّ بِدَلَائِلِ شَوَاهِدِ التَّارِيخِ وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ

Juz 17, hlm. 87 ›

الشَّاهِدَةِ بِتَنْظِيرِ مَا أُوتِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِمَا أُوتِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ مَا كَانَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى التَّوْحِيدِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ الَّتِي كَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ لِأَجْلِهَا مَعَ مَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ عِنَادِ الْأَقْوَامِ، وَثَبَاتِ الْأَقْدَامِ، وَالتَّأْيِيدِ مِنَ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، وَفِي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلَى مَا يُلَاقِيهِ مِنْ قَوْمِهِ بِأَنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ السَّابِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا فِي سُورَةِ [الْإِسْرَاءِ: ٧٧] . فَجَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِأَخْبَارٍ مِنْ أَحْوَالِ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ.

وَفِي سَوْقِ أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ تَفْصِيلٌ أَيْضًا لِمَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا يُوحى إِلَيْهِم [الْأَنْبِيَاء: ٧] الْآيَاتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ تَعَالَى:

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الْأَنْبِيَاء: ٢٥] ، ثُمَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الْأَنْبِيَاء: ٤٥] . وَاتِّصَالِهَا بِجَمِيعِ ذَلِكَ اتِّصَالٍ مُحْكَمٍ وَلِذَلِكَ أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ.

وَابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسَى وَأَخِيهِ مَعَ قَوْمِهِمَا لِأَنَّ أَخْبَارَ ذَلِكَ مَسْطُورَةٌ فِي كِتَابٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ أَهْلِهِ يَعْرِفُهُمُ الْعَرَبُ وَلِأَنَّ أَثَرَ إِتْيَانِ مُوسَى ﵇ بِالشَّرِيعَةِ هُوَ أَوْسَعُ أَثَرٍ لِإِقَامَةِ نِظَامِ أُمَّةٍ يَلِي عَظَمَةَ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.

وَافْتِتَاحُ الْقِصَّةِ بِلَامِ الْقَسَمِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِ الْمُشْرِكِينَ فِي جَهْلِ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ وَذُهُولِ بَعْضِهِمْ عَنْهُ وَتَنَاسِي بَعْضِهِمْ إِيَّاهُ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ تِلْكَ الْقِصَّةَ.

وَمَحَلُّ التَّنْظِيرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ هُوَ تَأْيِيدُ الرَّسُولِ ﷺ بِكِتَابٍ مُبِينٍ وَتَلَقِّي الْقَوْمِ ذَلِكَ الْكِتَابَ بِالْإِعْرَاضِ وَالتَّكْذِيبِ.

وَالْفَرْقَانُ: مَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مِنْ كَلَامٍ أَوْ فِعْلٍ. وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ يَوْمَ الْفَرْقَانِ لِأَنَّ فِيهِ كَانَ مَبْدَأَ ظُهُورِ قُوَّةِ

Juz 17, hlm. 88 ›

الْمُسْلِمِينَ وَنَصْرُهُمْ. فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْفُرْقَانِ التَّوْرَاةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ فِي [سُورَةِ الصَّافَّاتِ: ١١٧] .

وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْفرْقَان بِإِسْنَاد إيتائه إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْدُ كَوْنَهُ إِيتَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيًا كَمَا أُوتِيَ مُحَمَّد ﵊ الْقُرْآنَ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إِيتَاءَ الْقُرْآنِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُوسَى ﵇ مَا جَاءَ إِلَّا بِمِثْلِهِ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى جَلَالَةِ ذَلِكَ الْمُوتَى.

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْفُرْقَانِ الْمُعْجِزَاتُ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ فِي [سُورَةِ غَافِرٍ: ٢٣] . وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الشَّرِيعَةُ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْجَوْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فِي [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ٥٣] .

وَعَلَى الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ تَجِيءُ احْتِمَالَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى الْآتِي: وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ. وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الصِّفَاتِ قَسِيمًا لِبَعْضٍ بَلْ هِيَ صِفَاتٌ مُتَدَاخِلَةٌ، فَمَجْمُوعُ مَا أُوتِيَهُ مُوسَى وَهَارُونُ تَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ.

وَالضِّيَاءُ: النُّورُ. يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الْهُدَى وَالْعِلْمِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ فِي [سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ٤٤] .

وَالذِّكْرُ أَصْلُهُ: خُطُورُ شَيْءٍ بِالْبَالِ بَعْدَ غَفْلَةٍ عَنْهُ. وَيُطْلَقُ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى لِلْمُتَّقِينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ لِلتَّقْوِيَةِ فَيَكُونَ الْمَجْرُورُ بِاللَّامِ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِتَقْوَى اللَّهِ، أَيِ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، لِأَنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ بِمَا يَجْهَلُونَ وَبِمَا يَذْهَلُونَ عَنْهُ مِمَّا عَلِمُوهُ وَيُجَدِّدُ فِي نُفُوسِهِمْ

Juz 17, hlm. 89 ›

Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →