التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
وسادسا-خلق الليل والنهار، وهذا تذكير بنعمة أخرى على الناس، فالله جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه وينطلقوا لمعايشهم، وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، لتعلم الشهور والسنون والحساب، وكل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار يجرون ويسيرون بسرعة في فلك خاص، كالسابح في الماء.
موت جميع الخلائق ومجيء القيامة أو عذاب النار بغتة
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١)﴾
الإعراب:
﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ حقّ همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف الشرط كما هنا: أن
Juz 17, hlm. 50 ›
تكون رتبتها قبل جواب الشرط. وفي هذه الآية دليل على أنّ إن إذا دخلت عليها همزة الاستفهام، لا تبطل عملها، كقولك: إن تأتني آتك؛ لدخول الفاء في فهم وفاء ﴿فَهُمُ﴾ لتعلق الشرط بما قبله، والهمزة لإنكاره، بعد ما تقرر ذلك.
﴿فِتْنَةً﴾ مفعول لأجله.
﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ فيه محذوف تقديره: قائلين: أهذا الذي يذكر آلهتكم، وهو في موضع الحال، وحذف القول كثير في كلامهم.
﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ الجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزوا، وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية، وهي الكفر بالله تعالى.
البلاغة:
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ﴾ التنكير للتعميم.
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ يوجد طباق بين الشر والخير.
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ مبالغة في وصف الإنسان، جعل لفرط استعجاله، كأنه مخلوق من العجل نفسه، كقول العرب لمن لازم اللعب: هو من لعب.
﴿الْخالِدُونَ﴾ ﴿كافِرُونَ﴾ ﴿تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿يُنْصَرُونَ﴾ ﴿يُنْظَرُونَ﴾ ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ بينها سجع لطيف.
المفردات اللغوية:
﴿الْخُلْدَ﴾ الخلود والبقاء في الدنيا. ﴿فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ في الدنيا؟ لا، وهذه الجملة محل الاستفهام الإنكاري. ﴿ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ في الدنيا، والذوق هنا: الإدراك، والمراد من الموت:
مقدماته من الآلام الشديدة، والمدرك: هي النفس المفارقة للبدن. وجملة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ برهان على ما أنكره من الخلود للنفوس في الدنيا. ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ نختبركم أي نعاملكم معاملة المختبر. ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ بالبلايا والنعم، أو المحبوب والمكروه، كفقر وغنى، وسقم وصحة، وذلّ وعزّ. ﴿فِتْنَةً﴾ أي ابتلاء، وهو مصدر من غير لفظ الفعل المتقدم، أي لننظر: أتصبرون وتشكرون أم لا؟ ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم حسبما يوجد منكم من الصبر والشكر. وفيه إيماء بأن المقصود من هذه الحياة الابتلاء.
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾ أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به، مسخورا منه. ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ؟﴾ أي يقولون: أهذا الذي يعيب آلهتكم؟ ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ أي إذا ذكر الإله
Juz 17, hlm. 51 ›
الرحمن الواحد. ﴿هُمْ﴾ الثانية تأكيد كفرهم. ﴿كافِرُونَ﴾ به، إذ قالوا: ما نعرفه، أي لا يصدقون به أصلا، فهم أحق منك بأن يتخذوا هزوا، فإنك محق وهم مبطلون. وقيل: معنى بذكر الرحمن: قولهم ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة. وقيل: بذكر الرحمن: معناه بما أنزل عليك من القرآن.
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي أنه لكثرة عجله في أحواله، كأنه خلق منه، ومن عجلته:
مبادرته إلى الكفر. ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي﴾ أي مواعيدي بالعذاب، في الدنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النار. ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فيه أو بالإتيان به.
﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ؟﴾ أي بالقيامة. ﴿صادِقِينَ﴾ فيه، يعنون النبي ﷺ وأصحابه.
﴿لا يَكُفُّونَ﴾ يدفعون. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون منها في القيامة. وجواب ﴿لَوْ﴾: ما قالوا ذلك. ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ القيامة أو النار. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي تحيرهم، أو تغلبهم.
﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون لتوبة أو معذرة.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسلية لرسول الله ﷺ. ﴿فَحاقَ﴾ نزل أو أحاط.
﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي العذاب، وهو وعد للنبي ﷺ بأن ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا أي جزاءه.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٤):
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ.﴾. نزلت هذه الآية، لما قال الكفار: إن محمدا سيموت، قائلين: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور ٣٠/ ٥٢]. و
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نعي إلى النبي ﷺ نفسه، فقال: يا رب، فمن لأمتي؟ فنزلت: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية.
نزول الآية (٣٦):
﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: مرّ النبي ﷺ على أبي جهل وأبي سفيان، وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك، وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان،
Juz 17, hlm. 52 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.