قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ففتقناهما﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ: أَو لم ير الْكفَّار، [و] لم يرَوا شَيْئا من هَذَا وَلَا الْمُسلمُونَ! وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ أَو لم يعلمُوا بإخبارك إيَّاهُم، وَقيل: أَو لم يخبروا. وَأما الرتق فِي اللُّغَة هُوَ السد، والفتق هُوَ الشق، قَالَ الشَّاعِر:
(يهون عَلَيْهِم إِذا يغضبون ... سخط العداة وإرغامها)
(ورتق الفتوق وفتق الرتوق ... وَنقض الْأُمُور وإبرامها)
وَأما معنى الْآيَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: قَوْله: ﴿كَانَتَا رتقا﴾ أَي: كَانَ السَّمَاء وَالْأَرْض ملتصقين، ففتقناهما بالهواء، وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كَانَ السَّمَاء شَيْئا وَاحِدًا، ففتقناها، وجعلناها سبع سموات، وَكَانَت الأَرْض شَيْئا وَاحِدًا ففتقناها، وجعلناها سبع أَرضين، وَالْقَوْل الثَّالِث قَالَه مُجَاهِد: فتقنا السَّمَاء بالمطر، وَالْأَرْض بالنبات.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد خلق بعض مَا هُوَ حَيّ من غير المَاء، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ ؟ وَأَيْضًا فَإِن الْإِنْسَان قد يَمُوت بِالْمَاءِ، وَالشَّجر والنبات قد يهْلك بِالْمَاءِ؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المَاء هَاهُنَا هُوَ النُّطْفَة، والحي هُوَ الْآدَمِيّ، وَمَعْنَاهُ: كل شَيْء حَيّ من الْآدَمِيّ. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن هَذَا على وَجه التكثير، وَأكْثر الْأَحْيَاء فِي الأَرْض إِنَّمَا هُوَ مَخْلُوق من المَاء أَو بَقَاؤُهُ بِالْمَاءِ، فاستقام معنى الْآيَة من هَذَا الْوَجْه.