التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
وقد نقل الآلوسى عن الزمخشرى أَن في قوله تعالى لهم: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ الخ استعارة تمثيلية، حيث شبه حال الرسول معهم بحال من بينه وبين أَعدائه هدنة، فأَحس بغدرهم فنبذ إِليهم العهد، وشَهَرَ النَّبْذَ وأَشاعه، وآذنهم جميعا بذلك - وعقب عليه الآلوسى بقوله: وهو من الحسن بمكان. اهـ
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: إن، هي النافية، والمراد بقوله: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ هو غلبة المسلمين عليهم، أَو هو ما يلقونه من عذاب يوم القيامة، أَي أنا لم أَعلم ذلك لأَن الله استأْثر بعلمه، ولم يطلعنى عليه، إنما علم ذلك كله عند ربي.
١١٠ - ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾:
إِنه سبحانه يعم ما تطعنون به عليَّ وعلى شريعتى مجاهرين بذلك، ويعلم ما تخفون في صدوركم من الأَحقاد على المسلمين، وإِذا كان الله يعلم الجهر وما يخفى، وهو مُجَاز عليهما لا محالة، كان على العاقل البصير أَن يخلص النية لله تعالى، وأَن يصون لسانه وقلبه عن الوقوع فيما يوبقه من القول والنية وسوءِ الظن.
١١١ - ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ .... ﴾ الآية.
الضمير في ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ عائد على مفهوم من المقام، وهو تأْخير مجازاتهم، والمعنى: لست أدرى؛ لعل تأْخير مجازاتكم مع إِصراركم على ما أَنتم عليه زيادة لكم في الفتنة وإِبعاد في الاختبار والإِملاء.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: وتمتيع من الله لكم بلذات الدنيا إِلى وقت مقدر تقتضيه الحكمة الإِلهية، ويعظم فيه قيام الحجة عليكم، فيكون أَشد في الإِيقاع بكم؛ لأَن المعرض مع تتابع الآيات وتوالى النذر يكون أَشد عقابًا وأَبعد نكالا.
١١٢ - ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ … ﴾ الآية.
ختم الله السورة بحكاية دعاءِ نبيه ﷺ وتفويضه الأَمر إِلى ربه وتوقعه الفرج منه.
Juz 6, hlm. 1167 ›
والمعنى: قال الرسول: يا رب اقض بينى وبين قومى بحكمك الحق وذلك بنصرتى عليهم. وقد قرئَ: قُلْ بصيغة الأَمر، أَي: قل يا محمد داعيًا ربك أَن يفصل بينك وبين قومك بالحق والعدل. قال قتادة: كان الأَنبياءُ يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ فأَمر رسول الله أَن يقول ذلك، فكان إِذا لقى العدو يقول - وهو يعلم أَنه على الحق، وعدوه على الباطل -: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ اهـ.
ولا فرق في المعنى على القراءَتين إلاَّ أَن قراءَة "قال" لحكاية ما قاله ﷺ وقراءَة "قل" أَمر من الله لنبيه بما يدعو به.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾:
كانوا يقولون: إنهم على حق في عبادة أَوثانهم، وإِن العاقبة سوف تكون لهم وإِن ما توعَّدهم به القرآن من العذاب على شركهم لو كان حقا لنزل بهم، فلهذا حكى القرآن عن نبيه ﷺ أَنه قال لهم في مقابل ما قالوه: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: والله الذي مَلَكنا وربَّانا، المنعوت بالرحمة الشاملة هو الذي أَطلب معونته على تفنيد ما تزعمون من تلك الأَوصاف، بإِظهار حقى على باطلكم ونصرى عليكم، وقد كذَّب الله سبحانه ظنونهم، وخيب آمالهم وخذلهم، ونصر الرسول والمؤمنين عليهم وصدق الله العظيم إِذ يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (¬١).
Juz 6, hlm. 1168 ›
" سورة الحج"
اختلف في كونها مدنية أَو مكية، والجمهور على أَنها مختلطة، فمنها مكى ومنها مدنى، قال القرطبى: وهذا هو الأَصح لأَن الآيات تقتضى ذلك، ثم نقل عن الغزنوى قوله في هذه السورة: "وهى من أَعاجيب السور، نزلت ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، مكيا ومدنيَّا، سلميًّا وحربيًّا، ناسخا، ومنسوخا، محكما ومتشابها".
مقاصدها:
بدأت هذه السورة بأَمر الناس بتقوى الله، والتحذير من أَهوال يوم القيامة حيث يحاسبون على أَعمالهم، وأَتبعته التحذير من الجدال في الله بغير علم، وبيَّنت أطوار خلق الإِنسان ودلالتها على البعث، كما بينت دلالة إِخراج النبات من الأَرض عليه.
ثم حذرت من عبادة الله على حرف - أَي على ضعف وشك - فإِنه وخيم العاقبة، وأَتبعت ذلك بيان حسن مآل المؤمنين الصادقين، وأَنه تعالى سينصر رسوله على من كفر به، وسيفصل بين المؤمنين وأَعدائهم يوم القيامة، وأَنه تعالى يخضع لسلطانه من في السموات والأَرض، وجميع الكائنات العلوية والسفلية، وأَن كثيرا من الناس يسجد له سجود طاعة عملا بشرائعه، وكثيرا منهم حق عليهم العذاب بسبب عدم سجودهم وخضوعهم لشرائعه، ثم بينت مصير المختصمين في ربهم، فذكرت أَن الكافرين تقطع لهم ثياب من نار، ويعذبون بمختلف أَلوان التعذيب فيها، وأَن المؤمنين يدخلون الجنة ويحلون فيها بالذهب واللؤْلؤ ويلبسون ثياب الحرير، ويهتدون فيها إِلى الطيب من القول مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، ويهتدون إِلى طريق الله الحميد في سلوكهم فليس فيها لغو ولا كذب ولا شغب، فأَقوالهم دائما طيبة، وأَعمالهم حسنة، وعشرتهم مرضيه ثم بينت أنه تعالى عرَّف إِبراهيم مكان البيت ليبنيه للطائفين والعاكفين والركع السجود، وأَمره أَن يدعو الناس إِلى حجه مشاة وركبانا، يأْتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأَنعام، وأَن يَطَّوَّفوا بالبيت العتيق، وحذرت من الشرك بالله في أَداءِ المناسك، وأَوجبت تعظيم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب،
Juz 6, hlm. 1169 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.