البحر المحيط في التفسير - ط الفكر
· أبو حيان الأندلسي
جَمِيعِ مَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ، وَنُنَزِّهُهُ عَمَّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ وَصِفَاتِ النَّقْصِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّ دَأْبَ مَنْ أرسل إليه الْأَنْبِيَاءُ، وَظَهَرَتْ لَهُمُ الْمُعْجِزَاتُ الْإِعْرَاضُ عَنْ ذَلِكَ، وَعَدَمُ قَبُولِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُمْ يُرَتِّبُونَ عَلَى الشَّيْءِ غَيْرَ مُقْتَضَاهُ، فَيُكَذِّبُونَ بِالْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ دَالَّةً عَلَى الصِّدْقِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى: أَنَّ مَنْ بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَاقَبَهُ أَشَدَّ الْعِقَابِ، قَابَلَ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الشُّكْرِ بِالْكُفْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى تَبْدِيلِ نِعَمِ اللَّهِ، وَهُوَ: تَزْيِينُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَرَغِبُوا فِي الْفَانِي وَزَهِدُوا فِي الْبَاقِي إِيثَارًا لِلْعَاجِلِ عَلَى الْآجِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءَهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ مَا يُتَوَهَّمُ فِي وَصْفِ الْإِيمَانِ، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ أَنَّهُمُ هم الْعَالُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ هُمُ السَّافِلُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَرْزُقُ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ، بِغَيْرِ حِسَابٍ، إِشَارَةً إِلَى سَعَةِ الرِّزْقِ وَعَدَمِ التَّقْتِيرِ، وَالتَّقْدِيرِ: وَأَعَادَ ذِكْرَهُمْ بِلَفْظِ: مَنْ يَشَاءُ، تَنْبِيهًا عَلَى إِرَادَتِهِ لَهُمْ، وَمَحَبَّتِهِ إِيَّاهُمْ، وَاخْتِصَاصِهِمْ بِهِ، إِذْ لَوْ قَالَ: وَاللَّهُ يَرْزُقُهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، لَفَاتَ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ ذِكْرِ الْمَشِيئَةِ الَّتِي هِيَ الْإِرَادَةُ.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١٣ الى ٢١٨]
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)
Juz 2, hlm. 360 ›
حَسِبَ: بِكَسْرِ السِّينِ: يَحْسَبُ، بِفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ وَكَسْرِهَا، مِنْ أَخَوَاتِ: ظَنَّ، فِي طَلَبِهَا اسْمَيْنِ: هُمَا فِي مَشْهُورِ قَوْلِ النُّحَاةِ: مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَمَعْنَاهَا نِسْبَةُ الْخَبَرِ عَنِ الْمُتَيَقَّنِ إِلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَأْتِي فِي الْمُتَيَقَّنِ قَلِيلًا، نَحْوَ قَوْلِهِ:
حَسِبْتُ التُّقَى وَالْجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا
وَمَصْدَرُهَا: الْحُسْبَانُ، وَيَأْتِي: حَسِبَ أَيْضًا بِمَعْنَى: احْمَرَّ تَقُولُ: حَسِبَ الرَّجُلُ يَحْسَبُ، وَهُوَ أَحْسَبُ، كَمَا تَقُولُ: شَقِرَ فَهُوَ أَشْقَرُ، وَلِحَسِبَ أَحْكَامٌ ذُكِرَتْ فِي النَّحْوِ.
لَمَّا: الْجَازِمَةُ حَرْفٌ، زَعَمُوا أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ: لَمْ وَمَا، وَلَهَا أَحْكَامٌ تُخَالِفُ فِيهَا: لَمْ، مِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ الْفِعْلِ بَعْدَهَا إِذَا دَلَّ عَلَى حَذْفِهِ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجِبُ اتِّصَالُ نَفْيِهَا بِالْحَالِ، وَمِنْهَا: أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ عَلَى فِعْلِ شَرْطٍ وَلَا فِعْلِ جَزَاءٍ.
زَلْزَلَ: قَلْقَلَ وَحَرَّكَ، وَهُوَ رُبَاعِيٌّ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ: كَدَحْرَجَ، هَذَا النَّوْعُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ فِيهِ خِلَافٌ لِلْكُوفِيِّينَ وَالزَّجَّاجِ مَذْكُورٌ فِي النَّحْوِ.
مَاذَا: إِذَا أُفْرِدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهَا كَانَتْ: مَا يُرَادُ بِهَا الِاسْتِفْهَامُ، وَذَا:
لِلْإِشَارَةِ، وَإِنْ دَخَلَ التَّجَوُّزُ فَتَكُونُ: ذَا، مَوْصُولَةً، لِمَعْنَى: الَّذِي، وَالَّتِي، وَفُرُوعِهَا، وَتَبْقَى مَا عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الِاسْتِفْهَامِ، فَتَفْتَقِرُ: ذَا، إِذْ ذَاكَ إِلَى صِلَةٍ، وَتَكُونُ مُرَكَّبَةً مَعَ: مَا، الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، فَيَصِيرُ دَلَالَةُ مَجْمُوعِهِمَا دَلَالَةَ: مَا، الِاسْتِفْهَامِيَّةِ لَوِ انْفَرَدَتْ، وَلِهَذَا قَالَتِ الْعَرَبُ: عَنْ مَاذَا تَسْأَلُ؟ بِإِثْبَاتِ أَلْفِ: مَا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ الْجَرِّ وَتَكُونُ مُرَكَّبَةً مَعَ:
Juz 2, hlm. 361 ›
مَا، الْمَوْصُولَةِ، أَوْ: مَا، النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ، فَتَكُونُ دَلَالَةُ مجموعهما دَلَالَةَ: مَا الْمَوْصُولَةِ، أَوِ الْمَوْصُوفَةِ، لَوِ انْفَرَدَتْ دُونَ: ذَا، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ هُوَ عَنِ الْفَارِسِيِّ.
الْكُرْهُ: بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا، وَالْكَرَاهِيَةُ وَالْكَرَاهَةُ مَصَادِرٌ لِكَرِهَ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ، بِمَعْنَى: أَبْغَضَ، وَقِيلَ: الْكُرْهُ بِالضَّمِّ مَا كَرِهَهُ الْإِنْسَانُ، وَالْكَرْهُ، بِالْفَتْحِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْكُرْهُ بِالضَّمِّ اسْمُ الْمَفْعُولِ، كَالْخُبْرِ، وَالنُّقْضِ، بمعنى: المخبور والمنقوص، وَالْكَرْهُ بِالْفَتْحِ. الْمَصْدَرُ.
عَسَى: مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ، وَهِيَ فِعْلٌ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: هِيَ حَرْفٌ وَلَا تَتَصَرَّفُ، وَوَزْنُهَا: فَعَلَ، فَإِذَا أُسْنِدَتْ إِلَى ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ أَوْ مُخَاطَبٍ مَرْفُوعٍ، أَوْ نُونِ إِنَاثٍ، جَازَ كَسْرُ سِينِهَا وَيُضْمَرُ فِيهَا لِلْغَيْبَةِ نَحْوُ: عَسَيَا وَعَسَوْا، خِلَافًا لِلرُّمَّانِيِّ، ذَكَرَ الْخِلَافَ عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَلَا يُخَصُّ حَذْفُ: إِنَّ، مِنَ الْمُضَارِعِ بِالشِّعْرِ خِلَافًا لِزَاعِمِ ذَلِكَ، وَلَهَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ ذُكِرَتْ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَهِيَ: فِي الرَّجَاءِ تَقَعُ كَثِيرًا، وَفِي الْإِشْفَاقِ قَلِيلًا قَالَ الرَّاغِبُ.
الصَّدُّ: نَاحِيَةُ الشِّعْبِ وَالْوَادِي الْمَانِعِ السَّالِكِ، وَصَدَّهُ عَنْ كَذَا كَأَنَّمَا جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ صَدًّا يَمْنَعُهُ. انْتَهَى. وَيُقَالُ: صَدَّ يَصُدُّ صُدُودًا: أَعْرَضَ، وَكَانَ قِيَاسُهُ لِلُزُومِهِ:
يَصِدُّ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ سُمِعَ فِيهِ، وَصَدَّهُ يَصُدُّهُ صَدًّا مَنَعَهُ، وَتَصَدَّى لِلشَّيْءِ تَعَرَّضَ لَهُ، وَأَصْلُهُ تَصَدَّدَ، نَحْوَ: تَظَنَّى بِمَعْنَى تَظَنَّنَ، فَوَزْنُهُ تَفَعَّلَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَفَعْلَى نَحْوَ: يَعَلْنَى، فَتَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْإِلْحَاقِ، وَتَكُونُ مِنْ مُضَاعَفِ اللَّامِ.
زَالَ: مِنْ أَخَوَاتِ كَانَ، وَهِيَ الَّتِي مُضَارِعُهَا: يَزَالُ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَوَزْنُهَا فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَيْنَهَا يَاءٌ مَا حَكَاهُ الْكِسَائِيُّ فِي مُضَارِعِهَا، وَهُوَ: يُزِيلُ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَنْفِيَّةً بِحَرْفِ نَفْيٍ، أَوْ بِلَيْسَ، أَوْ بِغَيْرَ أَوْ: لَا، لِنَهْيٍ أَوْ دُعَاءٍ.
الْحُبُوطُ: أَصْلُهُ الْفَسَادُ، وَحُبُوطُ الْعَمَلِ بُطْلُهُ، وَحَبِطَ بَطْنُهُ انْتَفَخَ، وَالْحَبَطَاتُ قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْحَبَنْطَى: الْمُنْتَفِخُ الْبَطْنِ.
الْمُهَاجَرَةُ: انْتِقَالٌ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ، مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْهَجْرِ، وَالْمُجَاهَدَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ جَهِدَ، اسْتَخْرَجَ الْجُهْدَ وَالِاجْتِهَادَ، وَالتَّجَاهُدُ بَذْلُ الْوُسْعِ، وَالْمَجْهُودِ وَالْجَهَادُ بِالْفَتْحِ:
الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ.
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّ إِصْرَارَ هَؤُلَاءِ عَلَى كُفْرِهِمْ
Juz 2, hlm. 362 ›
Pembahasan ayat ini masih 35 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.