Lewati ke konten

QS. Al-Baqarah: 204 البقرة

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴿٢٠٤﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (28)

فتح القدير للشوكاني · الشوكاني

لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قدير. وأخرج المروزي عن الزهري قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يكبّر أيام التشريق كلّها. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ- ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِيَةَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتَّى بَلَغَ تَكْبِيرُهُمُ الْبَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ الثَّالِثَةَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْمِي الْجِمَارَ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ قَالَ: فِي تَعْجِيلِهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ قَالَ: فِي تَأْخِيرِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: النَّفْرُ فِي يَوْمَيْنِ لِمَنِ اتَّقَى. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ:

مَنْ غَابَتْ لَهُ الشَّمْسُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ وَهُوَ بِمِنًى فَلَا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: لِمَنِ اتَّقى قَالَ: لِمَنِ اتَّقَى الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ النَّاسُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَاتٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ قال: مغفورا لَهُ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ قَالَ مغفورا لَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: لِمَنِ اتَّقى قَالَ: لِمَنِ اتَّقَى فِي حَجِّهِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مَنِ اتَّقَى فِي حَجِّهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى قَالَ: ذَهَبَ إِثْمُهُ كُلُّهُ إِنِ اتَّقَى فيما بقي من عمره.

[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٧]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)

لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ طَائِفَتَيِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ «١» عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طَائِفَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ. وَسَبَبُ النُّزُولِ: الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

مَا ثَبَتَ قَطُّ أَنَّ الْأَخْنَسَ أَسْلَمَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي كُلِّ مَنْ أَضْمَرَ كُفْرًا أَوْ نِفَاقًا أَوْ كَذِبًا، وَأَظْهَرَ بِلِسَانِهِ خِلَافَهُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يُعْجِبُكَ وَاضِحٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِي مِنْ مَحَبَّتِكَ أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوْ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أَقُولُ حَقًّا، وَأَنِّي صَادِقٌ فِي قَوْلِي لَكَ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَيُشْهِدُ اللَّهَ بفتح حرف

Juz 1, hlm. 238 ›

الْمُضَارَعَةِ وَرَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ وَالْمَعْنَى: وَيَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ خِلَافَ مَا قَالَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ «١» وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ: وَيَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ. وَقَوْلُهُ: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بالقول، أو بيعجبك فَعَلَى الْأَوَّلِ: الْقَوْلُ صَادِرٌ فِي الْحَيَاةِ، وَعَلَى الثَّانِي: الْإِعْجَابُ صَادِرٌ فِيهَا. وَالْأَلَدُّ:

الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ. يُقَالُ: رَجُلٌ أَلَدُّ، وَامْرَأَةٌ لَدَّاءُ، وَلَدَدْتُهُ أَلُدُّهُ: إِذَا جَادَلْتَهُ فَغَلَبْتَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَأَلَدُّ ذي حنق عَلَيَّ كَأَنَّمَا ... تَغْلِي عَدَاوَةُ صَدْرِهِ فِي مِرْجَلِ

وَالْخِصَامُ: مَصْدَرُ خَاصَمَ، قَالَهُ الْخَلِيلُ وَقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ كَكَلْبٍ وَكِلَابٍ، وَصَعْبٍ وَصِعَابٍ، وَضَخْمٍ وَضِخَامٍ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَشَدُّ الْمُخَاصِمِينَ خُصُومَةً، لِكَثْرَةِ جِدَالِهِ وَقُوَّةِ مُرَاجَعَتِهِ، وَإِضَافَةُ الْأَلَدِّ إِلَى الْخِصَامِ بِمَعْنَى فِي، أَيْ: أَلَدُّ فِي الْخِصَامِ، أَوْ جُعِلَ الْخِصَامُ أَلَدَّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ. وَقَوْلُهُ: وَإِذا تَوَلَّى أَيْ: أَدْبَرَ، وَذَهَبَ عَنْكَ يَا مُحَمَّدُ! وَقِيلَ: إِنَّهُ بِمَعْنَى: ضَلَّ وَغَضِبَ وَقِيلَ: إِنَّهُ بِمَعْنَى: الْوِلَايَةِ، أَيْ:

إِذَا كَانَ وَالِيًا فَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ وُلَاةُ السُّوءِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَالسَّعْيُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ:

السَّعْيَ بِالْقَدَمَيْنِ إِلَى مَا هُوَ فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ، كَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ:

الْعَمَلَ فِي الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَعْيٌ بِالْقَدَمَيْنِ، كَالتَّدْبِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا يَضُرُّهُمْ، وَإِعْمَالِ الْحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وَكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ بِجَوَارِحِهِ أَوْ حَوَاسِّهِ يُقَالُ لَهُ: سَعْيٌ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ:

وَيُهْلِكَ عُطِفَ عَلَى قوله: لِيُفْسِدَ وفي قراءة أبيّ: وليهلك. وقراءة قَتَادَةُ بِالرَّفْعِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: وَيُهْلِكَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ وَرَفْعِ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ وَابْنِ مُحَيْصِنٍ. وَالْمُرَادُ بِالْحَرْثِ: الزَّرْعُ، وَالنَّسْلِ: الْأَوْلَادُ وَقِيلَ الْحَرْثُ: النِّسَاءُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ النِّفَاقَ يُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ وَوُقُوعِ الْقِتَالِ، وَفِيهِ هَلَاكُ الْخَلْقِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الظَّالِمَ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ الْمَطَرَ فَيَهْلَكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ. وَأَصْلُ الْحَرْثِ فِي اللُّغَةِ: الشَّقُّ، وَمِنْهُ الْمِحْرَاثُ لِمَا يُشُقُّ بِهِ الْأَرْضُ، وَالْحَرْثُ: كَسْبُ الْمَالِ وَجَمْعُهُ. وَأَصْلُ النَّسْلِ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ وَالسُّقُوطُ وَمِنْهُ نَسْلُ الشعر، ومنه أيضا:

إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ «٢» وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ «٣» وَيُقَالُ لِمَا خَرَجَ مِنْ كُلِّ أُنْثَى: نَسْلٌ، لِخُرُوجِهِ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ يَشْمَلُ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا فِيهِ فَسَادُ الدِّينِ، وَمَا فِيهِ فَسَادُ الدُّنْيَا. وَالْعِزَّةُ: الْقُوَّةُ وَالْغَلَبَةُ، مِنْ عَزَّهُ يَعُزُّهُ: إِذَا غَلَبَهُ، وَمِنْهُ وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ «٤» وَقِيلَ الْعِزَّةُ هُنَا: الْحَمِيَّةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ ... فَتَوَلَّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ

وَقِيلَ: الْعِزَّةُ هُنَا: الْمَنَعَةُ وَشِدَّةُ النَّفْسِ. وَمَعْنَى: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ حَمَلَتْهُ الْعِزَّةُ عَلَى الْإِثْمِ، مِنْ قَوْلِكَ: أَخَذْتُهُ بِكَذَا: إِذَا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمْتُهُ إِيَّاهُ وَقِيلَ: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِمَا يُؤْثِمُهُ، أَيِ: ارْتَكَبَ الْكُفْرَ لِلْعِزَّةِ، وَمِنْهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ «٥» وَقِيلَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْإِثْمِ بِمَعْنَى اللَّامِ، أي: أخذته

Juz 1, hlm. 239 ›

الْعِزَّةُ وَالْحَمِيَّةُ عَنْ قَبُولِ الْوَعْظِ لِلْإِثْمِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ النِّفَاقُ وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى مع، أي: أخذته العزّة مع الْإِثْمِ. وَقَوْلُهُ: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ أَيْ: كَافِيَةٌ مُعَاقَبَةً وَجَزَاءً، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفَّاكَ مَا حَلَّ بِكَ، وَأَنْتَ تَسْتَعْظِمُ عَلَيْهِ مَا حَلَّ بِهِ. وَالْمِهَادُ: جَمْعُ الْمَهْدِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُهَيَّأُ لِلنَّوْمِ، وَمِنْهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ وَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ: مِهَادًا، لِأَنَّهَا مُسْتَقَرُّ الْكُفَّارِ وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنَّهَا بَدَلٌ لَهُمْ من المهاد كقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ «١» وَيَشْرِي بِمَعْنَى: يَبِيعُ، أَيْ: يَبِيعُ نَفْسَهُ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ، كَالْجِهَادِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، ومثله قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ «٢» وَأَصْلُهُ: الِاسْتِبْدَالُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ «٣» ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ

وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:

يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبها أَلَا تَشْرِي «٤»

وَالْمَرْضَاةُ: الرِّضَا، تَقُولُ: رَضِيَ يَرْضَى، رِضًا وَمَرْضَاةً. وَوَجْهُ ذِكْرِ الرَّأْفَةِ هُنَا: أَنَّهُ أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم، فَكَانَ ذَلِكَ رَأْفَةً بِهِمْ وَلُطْفًا لَهُمْ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيهَا عَاصِمٌ وَمَرْثَدٌ قَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذَا، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِهِمْ، وَلَا هُمْ أَدَّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أَيْ:

مَا يُظْهِرُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِلِسَانِهِ، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ أَيْ: ذُو جِدَالٍ إِذَا كَلَّمَكَ وَرَاجَعَكَ وَإِذا تَوَلَّى: خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ أَيْ: لَا يُحِبُّ عَمَلَهُ وَلَا يَرْضَى بِهِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ الَّذِينَ يَشْرُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، حَتَّى هَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ: يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حاتم عن السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ الْآيَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَقَالَ: جِئْتُ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ، وَيَعْلَمُ اللَّهُ أَنِّي لَصَادِقٌ، فَأَعْجَبَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ مِنْهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عند النبي ﷺ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحُمُرٍ، فأحرق

Juz 1, hlm. 240 ›

Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →