قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٤﴾
تفسير ابن كمال باشا
· ابن كمال باشا
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ فيه معنى التعليلِ، والإظهارُ في مقام الإضمار للتَّفخيم.
﴿بِالنَّاسِ﴾ على الإطلاق، فكيف بالمؤمنين منهم؟
﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يُضيع أعمالَهم، ولا يُخلُّ بما يُصلح أحوالَهم، وإنما قدِّم الرؤوف على الرحيم؛ لأن الرأفة إنما تكون باعتبارِ الحفظ والصِّيانة عن الآفات والنقائص التي يُستحَق بها العقاب، والرحمةَ باعتبارِ إفاضة الكمالات والسعادات التي بها يُستحَق الثواب، فالأُولى من باب التزكية، والثانيةُ من باب التخليَة، ولا تكون التخلية إلا بعد التزكية.
* * *
(١٤٤) - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿قَدْ نَرَى﴾ ﴿قَدْ﴾ للتقليل، وقد استُعمل هاهنا في مقام التكثير؛ كما في قوله:
قد أتركُ القِرْنَ مصفَرًّا أناملُه (¬١)
Juz 1, hlm. 335 ›
يعني: إنك تفعل كثيرًا - على ما دل عليه عبارةُ ﴿تَقَلُّبَ﴾ - وهو قليل بالنسبة إلى ما تهمّ به وتريد، وفي البيت يدَّعي قلَّةَ الترك بالنسبة إلى ما في نفسه وما يريد، وهو كثيرٌ في حدِّ ذاته.
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ تقلُّب الوجه أبلغُ من تقلُّب العين، على أن الوجه يريد به التوجُّه؛ كقولك: وجهي إلى فلان.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في جهتها تطلّعًا للوحي.
كان رسول الله ﵇ يتوقَّع من ربه أن يحوِّله إلى الكعبة؛ لأنها قبلةُ أبيه إبراهيم ﵇، وأقدمُ القبلتين، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتُهم ومَزارُهم ومطافُهم، ولمخالفة اليهود، وذلك يدلُّ على كمال أدبه ﵇، حيث انتظر ولم يسأل كما فَعل أبوه إبراهيمُ ﵇، حيث قال: (حسبي من سؤالي علمُه بحالي) (¬١).
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فلنجعلنَّك واليًا ﴿قِبْلَةً﴾ من ولَّيتُه كذا: إذا جعلته واليًا له، أو: لنجعلنَّك تلي سَمْتَها، من الوَلْي.
﴿تَرْضَاهَا﴾ تحبُّها وتميلُ إليها لمصلحةٍ دينية، هذا القيدُ للدلالة على أنَّ التوليةَ كانت رعايةً لرضاه ﵇، فلا دلالةَ فيه على كراهة القبلة الأخرى.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ فاجعل وجهك يلي.
Juz 1, hlm. 336 ›
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ نحوَه وجانبَه، الشطرُ في الأصل لِمَا انفصل عن الشيء، من شَطر: إذا انفصل عن الشيء، ثم استُعمل لجانبه وإن لم ينفصِل، وزيادتُه ليست لأنَّه ﵇ كان بالمدينة والبعيدُ يكفيه رعايةُ الجهة؛ لأن التعميم المستفادَ من قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يأباه، بل للدلالة على أنَّ القبلة هي الهواء، ولا دخل فيها للبناء (¬١).
﴿الْحَرَامِ﴾؛ أي: المحرَّم فيه القتالُ، أو ممنوع عن الظَّلَمة أن يتعرَّضوه، وهذا الوصف هو الباعث لإيثار ﴿الْمَسْجِدِ﴾ على: الكعبة، فإن الحكم المذكور لا اختصاصَ له بها، لا لأن في استقبال عينها حرجًا؛ لأنَّه قد اندفع بزيادة عبارة الشطر.
رُوي أنه ﵇ قدِم المدينةَ فصلى نحو بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا، ثم وجِّه إلى الكعبة (¬٢).
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ خُصَّ رسول الله ﷺ بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمِّم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إجمالًا، لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيصَ أهل كل شريعة بقبلةٍ، وتفصيلًا لتضمُّن كتبهم أنه ﵇ يصلي إلى القبلتين، والضميرُ للتحويل أو التوجُّه.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وفي قوله:
* * *
Juz 1, hlm. 337 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.