تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
عيسى ﵇ هي قوله تعالى حكاية عن قوله حيث قام خطيبا في بني إسرائيل، فقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. ورؤيا أمّة كانت مناما، رأته حين حملت به، وقصّته على قومها. فشاع فيهم، واشتهر بينهم.
﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ:﴾ يقرأ عليهم آيات الكتاب الذي تنزّله عليهم، والمراد: القرآن الكريم الذي نزل على قلب الرسول ﷺ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن، وهو آيات الله المذكورة، فعلى ذلك فهو من اختلاف اللفظ، واتحاد المعنى. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ المعرفة بالدّين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو منحة، ونور من الله تعالى، قاله مالك، وقال أبو بكر بن دريد: هي كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٨] فإنه جيد والحمد لله. ﴿يُزَكِّيهِمْ:﴾ يطهرهم من الشرك، والمعاصي، وسوء الأخلاق، والطباع. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ الغالب الذي لا يقهر، ولا يغلب على ما يريد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ،﴾ ومن قول الخنساء-﵂: [المتقارب]
كأن لم يكونوا حمى يتّقى... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦٨] فإنه جيد، والحمد لله!
الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (﴿اِبْعَثْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
أنت. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَسُولاً﴾ وبمحذوف صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَقَبَّلْ..﴾.
إلخ في الآية رقم [١٢٧] فهي داخلة معها في المقول. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولاً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رَسُولاً﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بالجار والمجرور بعده. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِكَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، (﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾): فعل مضارع ومفعولاه، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولاً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وأيضا جملة: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ وما يتعلق بالفعل معطوفة عليها. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ انظر الآية رقم [١٢٧] فهو مثله بلا فارق.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ أي: لا يرغب، فالاستفهام بمعنى النّفي. هذا؛ والفعل: «يَرْغَبُ» يتغيّر معناه بتغير الجار الذي يتعلق به، تقول: رغبت عن الشيء: إذا كرهته، ولم تحبّه.
Juz 1, hlm. 318 ›
ورغبت فيه: إذا أردته، وأحببته، ولذا كان قول القائل-وهو الشاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم
محتملا للمدح والذمّ بسبب تقدير الجار والمجرور، كما يجوز تقدير (عن) أو (في) في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ومثل يرغب: ادّعى، يقال: ادّعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم. ومثله: عدل، ومال، وانحرف، وغير ذلك كثير، وهذا ممّا يدلّ على اتساع اللغة العربية. ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ:﴾ دينه، وطريقته، وشريعته. هذا؛ والملة بفتح الميم: الرّماد الحار.
﴿إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ:﴾ استمهنها، وأذلّها، واستخفّ بها. قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعدّ، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ: «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص النّاس» أي: تحتقرهم، والأول من باب: طرب، والثاني من باب: ظرف. هذا؛ وجاء في المختار:
وقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلمّا حوّل الفعل إلى الرّجل؛ انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنّه صار في معنى سفّه نفسه بالتّشديد. هذا قول البصريين، والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب، كما يجوز: غلامه ضرب زيد. وقال الفرّاء: لمّا حوّل الفعل من النفس إلى صاحبها؛ خرج ما بعده مفسّرا ليدلّ على أنّ السّفه فيه، وكان حكمه من النفس سفه زيد نفسا؛ لأنّ المفسّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب، كنصب النّكرة تشبيها بها، ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسّر لا يتقدّم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا، والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى بحروفه.
﴿اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ اخترناه على غيره بالرّسالة والخلّة. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي:
الذين لهم الدّرجات العلى. هذا؛ والصّلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سأل الله هذه المنزلة يوسف الصدّيق، عليه وعلى نبينا، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام، سأله هذه المنزلة قبل وفاته، وقد حكى القرآن ذلك عنه: ﴿*رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وسألها إبراهيم ﵇، وحكاها القرآن عنه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ سورة (الشعراء). وطلبها سليمان ﵇، وحكاها القرآن الكريم عنه: ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ سورة (النمل)، وقال تعالى في حقّ إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.
Juz 1, hlm. 319 ›
تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أن عبد الله بن سلام-﵁-كان من أحبار اليهود، وقد أسلم، ودعا ابني أخيه إلى الإسلام، وهما: مهاجر، وسلمة، فقال لهما: قد علمنا: أن الله تعالى قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيّا اسمه أحمد، فمن آمن به؛ فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به، فهو ملعون. فأسلم سلمة، وامتنع مهاجر عن الإسلام، فنزلت الآية الكريمة. والعبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، فهو تعريض، وتوبيخ لليهود، والنصارى، ومشركي العرب؛ لأنّ اليهود، والنّصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم؛ لأنهم من بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والعرب يفتخرون به؛ لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب بعثة الرسول في آخر الزمان، فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول، الذي هو دعوة إبراهيم؛ فقد رغب عن ملّة إبراهيم. انتهى الخازن، وغيره.
هذا؛ وروى حجّاج بن حجّاج الأحول المعروف ب «زق العسل» قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: اللهم إنّ الصّالحين أنت أصلحتهم، ورزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم، فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وارض عنّا.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْغَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: هو، يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، ﴿عَنْ مِلَّةِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مِلَّةِ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿يَرْغَبُ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو حرف استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع بدل من الضمير المستتر في: ﴿يَرْغَبُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، ورجّح الأول؛ لأن الكلام منفي معنى.
﴿سَفِهَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. وقيل: ﴿نَفْسَهُ﴾ منصوب على التمييز، مثل: غبن رأيه. وألم رأسه كما قيل: هو منصوب على نزع الخافض؛ أي: سفه على نفسه، وجملة: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها.
﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، واللام واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال.
﴿اِصْطَفَيْناهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به: والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٥]. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّهُ﴾): حرف مشبه
Juz 1, hlm. 320 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.