تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
· ابن عطية
أَعْرَضْتُمْ أي لم تفكروا في صنع الله وقت حاجتكم إليه، وقوله كَفُوراً أي بالنعم. والْإِنْسانُ هنا للجنس، وكل أحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، وقال الزجاج الْإِنْسانُ يراد به الكفار، وهذا غير بارع. وقوله أَفَأَمِنْتُمْ الآية، المعنى أَفَأَمِنْتُمْ أيها المعرضون الناسون الشدة، حين صرتم إلى الرخاء «أن يخسف الله بكم مكانكم من البر» إذا أنتم في قبضة القدرة في البحر والبر. و «الحاصب» العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
ومنه قول الأخطل: [الكامل]
ترمي العصاة بحاصب من ثلجها ... حتى يبيت على العضاه جمالا
ومنه الحاصب الذي أصاب قوم لوط، والحصب: الرمي بالحصباء، وهي الحجارة الصغار، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «يخسف» بالياء على معنى يخسف الله، وكذلك «يرسل» و «يعيد» و «يرسل» و «يغرق» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد «تغرقكم» بالتاء أي الريح، وقرأ حميد «نغرقكم» بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء «يغرّقكم» بشد الراء. و «الوكيل» القائم بالأمور، و «القاصف» الذي يكسر كل ما يلقى ويقصفه، وتارَةً، جمعها تارات وتير، معناه: مرة أخرى، وقرأ أبو جعفر: «من الرياح» بالجمع.
و «التبيع» الذي يطلب ثأرا أو دينا، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
غدوا وغدت غزلانهم فكأنها ... ضوامن عزم لزهن تبيع
ومن هذه اللفظة قول النبي ﵇: «إذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع» فالمعنى لا تحدون من يتبع فعلنا بكم ويطلب نصرتكم.
قوله ﷿:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٥]
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤)
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥)
كَرَّمْنا تضعيف كرم، فالمعنى: جعلنا لهم كرما، أي شرفا وفضلا، وهذا هو كرم نفي النقصان، لا كرم المال وإنما هو كما تقول: ثوب كريم، أي جمة محاسنه.
Juz 3, hlm. 472 ›
قال القاضي أبو محمد: ﵁: وهذه الآية، عدد الله تعالى فيها على بني آدم ما خصهم به من بين سائر الحيوان، والحيوان والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، وحملهم فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، مما لا يصلح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يحمل بإرادته وقصده وتدبيره فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ جميعا، والرزق مِنَ الطَّيِّباتِ، ولا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان أن يأكل لحما نيا، أو طعاما غير مركب، و «الرزق» ، كل ما صح الانتفاع به، وحكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا: «التفضيل» هو أن يأكل بيديه وسائر الحيوان بالفم، وقال غيره: وأن ينظر من إشراف أكثر من كل حيوان، ويمشي قائما، ونحو هذا من التفضيل، وهذا كله غير محذق وذلك للحيوان من هذا النوع ما كان يفضل به ابن آدم، كجري الفرس، وسمعه، وإبصاره، وقوة الفيل، وشجاعة الأسد وكرم الديك، وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك به الحيوان كله، وبه يعرف الله ﷿، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه، وقالت فرقة: هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنس، من حيث هم المستثنون، وقد قال تعالى لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
، [النساء: ١٧٢] وهذا غير لازم من الآية بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن به الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وإنما صح تفضيل الملائكة من مواضع أخر من الشرع، وقوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا الآية، يحتمل قوله يَوْمَ أن يكون منصوبا على الظرف، والعامل فيه: فعل مضمر تقديره أنكر، أو فعل يدل عليه، قوله وَلا يُظْلَمُونَ تقديره «ولا يظلمون يوم ندعو» . ثم فسره يُظْلَمُونَ الأخير، ويصح أن يعمل فيه وَفَضَّلْناهُمْ، وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على سائر الحيوان بيّن، لأنهم المنعمون المكلمون المحاسبون الذين لهم القدر، إما أن هذا يرده أن الكفار يومئذ أخسر من كل حيوان، إذ يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا، ولا يعمل فيه نَدْعُوا لأنه مضاف إليه، ويحتمل أن يكون يَوْمَ منصوبا على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعا بالابتداء والخبر في التقسيم الذي أتى بعد في قوله فَمَنْ أُوتِيَ إلى قوله وَمَنْ كانَ. وقرأ الجمهور «ندعو» بنون العظمة، وقرأ مجاهد «يدعو» ، بالياء على معنى يدعو الله ورويت عن عاصم. وقرأ الحسن «يدعو» بضم الياء وسكون الواو، وأصلها يدعى ولكنها لغة لبعض العرب، يقلبون هذه الألف واوا، فيقولون افعو حبلو، ذكرها أبو الفتح وأبو علي في ترجمة أعمى بعد وقرأ الحسن: «كل» بالرفع، على معنى يدعى كل، وذكر أبو عمرو الداني عن الحسن، أنه قرأ «يدعى كل» وأُناسٍ اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقوله بِإِمامِهِمْ يحتمل أن يريد باسم إمامهم، ويحتمل أن يريد مع إمامهم، فعلى التأويل الأول: يقال يا أمة محمد، ويا أتباع فرعون، ونحو هذا، وعلى التأويل الثاني: تجيء كل أمة معها إمامها، من هاد أو مضل، واختلف المفسرون في «الإمام» ، فقال مجاهد وقتادة: نبيهم، وقال ابن زيد كتابهم الذي نزل عليهم، وقال ابن عباس والحسن:
كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقالت فرقة: متبعهم، من هاد أو مضل، ولفظة «الإمام» تعم هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في المقصد، ومنه قيل لخيط البناء إمام، قال الشاعر يصف قدحا: [الطويل]
وقومته حتى إذا تم واستوى ... كمخة ساق أو كمتن إمام
ومنه قيل للطريق إمام، لأنه يؤتم به في المقاصد حتى ينهي إلى المراد وقوله: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ
Juz 3, hlm. 473 ›
بِيَمِينِهِ
حقيقة في أن في يوم القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان، وفي الشمائل لأهل الكفر، وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد، فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار، وقوله يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ عبارة عن السرور بها أي يرددنها ويتأملونها، وقوله وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا أقل ولا أكثر، فهذا هو مفهوم الخطاب حكم المسكوت عنه كحكم المذكور. كقوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، [الإسراء: ٢٣] وكقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤٠] وهذا كثير ومعنى الآية: أنهم لا يبخسون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئا، و «الفتيل» هو الخيط الذي في شق نواة التمرة يضرب به المثل في القلة وتفاهة القدر، وقوله وَمَنْ كانَ، الآية، قال محمد بن أبي موسى: الإشارة بهذه إلى النعم التي ذكرها في قوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ أي من عمي عن شكر هذه النعم والإيمان لمسديها، فهو في أمور الآخرة وشأنها أَعْمى.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أَعْمى الثاني أن يكون بمنزلة الأول، على أنه تشبيه بأعمى البصر، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل، أي أشد عمى، والعمى في هذه الآية هو عمى القلب في الأول والثاني، وقال ابن عباس ومجاهد قتادة وابن زيد: الإشارة بهذه إلى الدنيا، أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره والإيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى إما أن يكون على حذف مضاف، أي في شأن الآخرة، وإما أن يكون: فهو في يوم القيامة أعمى، على معنى أنه حيران، لا يتوجه له صواب، ولا يلوح له نجح، قال مجاهد «فهو في الآخرة أعمى» عن حجته.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن الإشارة ب هذِهِ إلى الدنيا، أي من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، وبهذا التأويل، تكون معادلة للتي قبلها، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، وإذا جعلنا قوله فِي الْآخِرَةِ بمعنى في شأن الآخرة، لم تطرد المعادلة بين الآيتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «أعمى» في الموضعين، بغير إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الموضعين بإمالة، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى أشد عمى، ولذلك لم يمله، قال أبو علي: لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، وأَعْمى ليس كذلك لأن تقديره أعمى من كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذا ليس بآخر، ويقوي هذا التأويل قوله عطفا عليه وَأَضَلُّ سَبِيلًا فإنما عطف أَضَلُّ الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيه به، وإنما جعله في الآخرة أَضَلُّ سَبِيلًا، لأن الكافر في الدنيا يمكن أن يؤمن فينجو، وهو في الآخرة، لا يمكنه ذلك، فهو أَضَلُّ سَبِيلًا، وأشد حيرة، وأقرب إلى العذاب، وقول سيبويه ﵀: لا يقال أعمى من كذا كما يقال ما أبداه، إنما هو في عمى العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل، وذكر مكي في هذه الآية، أن العمى الأول هو عمى العين عن الهدى وهذا بين الاختلال، والله المعين. وقوله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ الآية، إِنْ هذه عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله لَيَفْتِنُونَكَ لام تأكيد، وإِنْ هذه عند الفراء بمعنى ما، واللام بمعنى إلا والضمير في قوله كادُوا قيل هو لقريش وقيل لثقيف، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلت الآية لأنهم قالوا لرسول الله ﷺ: لا
Juz 3, hlm. 474 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.