يا قاسم الخيرات، وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
﴿الْواحِدُ﴾: قال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل: هو المنقطع عن القرين والشريك، والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ لأن ذلك يكثر بانضمام بعضها إلى بعض، والواحد ليس كذلك، فهو الله الواحد الذي لا مثل له، ولا يشبهه شيء من خلقه. ﴿الْقَهّارُ﴾: قال الخطابي: هو الذي قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة، وقهر العباد كلهم بالموت، وقال غيره: هو الذي قهر كل شيء، وذلله، فاستسلم، وانقاد له، ولا تنس: أن القهار صيغة مبالغة، وانظر شرح: ﴿الْقاهِرُ﴾ في الآية رقم [١٨] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿يا صاحِبَيِ﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (صاحبي): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و (صاحبي): مضاف، و ﴿السِّجْنِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَأَرْبابٌ﴾:
الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أرباب): مبتدأ. ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾: صفته مرفوع... إلخ.
﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿أَمِ﴾: حرف عطف، وهي معادلة هنا لهمزة الاستفهام. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾: صفتان للفظ الجلالة، أو هما بدلان منه، والآية الكريمة بكاملها من مقول يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله، وقد خاطبهم بلفظ الجمع، وابتدأ الخطاب بالتثنية؛ لأنه أراد جميع من في السجن، من المشركين، أو أراد أهل مصر كلهم، وانظر العبادة في الآية رقم [٦٢] من سورة (هود). ﴿أَسْماءً﴾: جمع اسم، انظر إعلاله في بسملة هذه السورة.
﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أي: آلهة وأربابا، وهي لا تستحق أن تسمى بذلك؛ لأنها جمادات لا تضر، ولا تنفع، وانظر الآية السابقة. ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أي: إن آباءكم سبقوكم إلى تسميتها آلهة فتبعتموهم في ذلك. ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: ما أنزل الله بهذه التسمية حجة، ولا برهانا، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (هود) لشرح ﴿سُلْطانٍ﴾. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي:
الحكم، والقضاء، والأمر، والنهي، كل ذلك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد وانظر الآية رقم [٦٧] الآتية. ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾: لأنه هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي سميتموها آلهة. ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحق، وأنتم لا تميزون المعوج من القويم.
Juz 4, hlm. 590 ›
قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، بين لهم أولا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن على أن ما يسمّونها آلهة ويعبدونها، لا تستحق الإلهية، فإن استحقاق العبادة، إما بالذات، وإما بالغير، وكلا القسمين منتف عنها، ثم نص على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم، الذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه. انتهى. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: ذلك فيخبطون في جهالتهم. هذا؛ و ﴿الْقَيِّمُ﴾ أصل (القيوم) فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. و ﴿الدِّينُ﴾ اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و ﴿الدِّينُ﴾ أيضا الملة والشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. و ﴿الدِّينُ﴾ الحساب والجزاء ومنه يوم الدين، أي: يوم الحساب والجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى، وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدّين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ،﴾ هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين، هذا؛ والدينونة: القضاء والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.
﴿دُونِهِ﴾: من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف والسيادة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، هذا؛ ويأتي (دون) بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]
تريك القذى من دونها، وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا؛ ومثله: (أدنى) وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا، يدنو، إذا قرب، وله معنيان:
أحدهما أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ،﴾ وقيل:
الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا، وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري.
الإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾:
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَسْماءً﴾: مفعول به. ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، فتحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و (ها): مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: آلهة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَسْماءً﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مؤكد
Juz 4, hlm. 591 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.