تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
[﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾].
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: شابَّان، وقبل هذا محذوف لا بد منه، وهو: فسجنوه.
وكان يوسف قد قال لأهل السجن: إني أعْبُرُ الرؤيا، فلذلك سأله الفتيان عن منامهما.
وقيل: إنهما استعملاها ليُجرِّباه.
وقيل: رأيا ذلك حقًا.
* ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قيل فيه: سمَّى العنب خمرًا بما يؤول إليه.
وقيل: هي لغة.
Juz 2, hlm. 633 ›
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل: معناه: في تأويل الرؤيا.
وقيل: إحسانه إلى أهل السجن.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية؛ تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم؛ ليجعل ذلك وُصْلةً إلى دعائهما لتوحيد الله.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه قال: إنه يخبرهما بكل ما يأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة للأنبياء.
والآخر: أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلَّا أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا.
﴿ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال: ﴿ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام:
تعليلًا لما قبله من قوله: ﴿عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
أو يكون استئنافًا.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ نسبهما إلى السجن:
إما لأنهما سكناه.
أو لأنهما صَحِباه فيه، فكأنه قال: يا صاحبيَّ في السجن.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ الآية؛ دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما
Juz 2, hlm. 634 ›
الحجة؛ رغبة في إيمانهما.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسمَّيات، والمعنى: سميتم آلهةً ما لا يستحق الإلهية، ثم عبدتموها (¬١).
﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة وبرهان.
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يعني: الملك.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ الظن هنا يحتمل:
أن يكون بمعنى اليقين؛ لأن قوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقتضي ذلك.
أو يكون على بابه؛ لأنه عبارة الرؤيا ظنٌّ.
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: عند الملك.
﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قيل: الضمير ليوسف؛ أي: نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره، فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن.
وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو السَّاقي؛ أي: نسي ذِكْرَ يوسف عند ربه، فأضاف الذِّكر إلى ربه؛ إذهو عنده، والربُّ على هذا التأويل: الملك.
﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة.
وروي أن يوسف ﵇ سُجِن خمس سنين أولًا، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين.
Juz 2, hlm. 635 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.