﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ المراد به آدم ﵇. ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ:﴾
السلالة: الخلاصة؛ لأنها تسل من بين الكدر، وقيل: إنما سمي التراب الذي خلق منه آدم سلالة؛ لأنه سل من كل تربة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقيل: المراد ابن آدم. قاله ابن عباس، وغيره؛ وعلى هذا فالسلالة صفوة الماء، يعني: المني، فالنطفة سلالة، والولد سليل، وسلالة، عنى به الماء يسل من الظهر سلا، قال حسان بن ثابت-﵁: [الطويل]
فجاءت به عضب الأديم غضنفرا... سلالة فرج كان غير حصين
وقالت هند بنت النعمان في مدح نفسها، وذم الحجاج الذي تزوجها في قصة مشهورة مسطورة في كتب الأدب: [الطويل]
وما هند إلاّ مهرة عربيّة... سليلة أفراس تجلّلها بغل
فإن ولدت مهرا فلله درّها... وإن ولدت نغلا فجاء به البغل
ومعنى ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أي: إن الأصل آدم، وهو من طين. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:
أي: من طين خالص، فأما ولده؛ فهو من طين، ومني: وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الحج).
﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أي: نسله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ لأن آدم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لم يصر نطفة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ من سورة (السجدة) رقم [٧ و ٨]. ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أي: حريز، وهو الرحم، سمي مكينا لاستقرار النطفة فيه إلى وقت الولادة.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف، التقدير، والله، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر.
﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ سُلالَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سُلالَةٍ﴾ على تأويلها ب: «مسلومة»، أو بمحذوف صفة لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿نُطْفَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فِي قَرارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نُطْفَةً﴾. ﴿مَكِينٍ:﴾ صفة قرار.