وأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى؛ هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير.
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عند اللَّه الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نزَّل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة اللَّه وحده لا شريك له، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬١] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال [¬٢]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء في الحديث الصحيح (¬٥)، أن رسول اللَّه ﷺ صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا فقال: "يا معشر قريش؛ أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تصبحكم ألستم مصدقيّ؟ " فقالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، والتوبة منها إلى اللَّه ﷿ فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أي: في الدنيا ﴿[إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٣] وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: في الدار الآخرة. قاله قتادة. كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقد جاء في الصحيح (¬٦) أن رسول اللَّه ﷺ قال لسعد: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت