ويلقي ما في يدِه؛ دفعاً لألم الغضب، وإلقاءً لحمله عنه، وكذلك يدعو على نفسِه وأحبِّ النَّاسِ إليه، فهو يتكلَّمُ بصيغةِ الطَّلَبِ والاستدعاءِ والدُّعاء، وهو غيرُ طالب لذلك في الحقيقة، فكذلك يتكلَّمُ بصيغة الإنشاءِ وهو غيرُ قاصدٍ لمعناها.
ولهذا يأمر الملوكُ وغيرُهم عند الغضب بأمورٍ يَعلمُ خواصُّهم أنَّهم تكلَّموا بها دفعاً لحرارة الغضب، وأنَّهم لا يريدون مقتضاها، فلا يمتثله خواصُّهم، بل يؤخِّرونه، فَيَحْمَدُونهم على ذلك إذا سَكَنَ غضبُهم.
وكذلك الرَّجُلُ - وقتَ شدَّةِ الغضبِ - يقومُ ليبطش بولده، أو صديقه، فيحولُ غيرُه بينه وبين ذلك، فيحمدهم بعد ذلك، كما يحمد السَّكرانُ والمحمومُ ونحوهما مَن يحول بينه وبين ما يَهُمُّ بفعلِه في تلك الحال.
الوجه الرابع: أنَّ العاقلَ لا يستدعي الغضبَ، ولا يريده، بل هو أكرَهُ شيء إليه، وهو كما قال النَّبيُّ ﷺ: «جَمْرةٌ في قلبِ ابنِ آدَمَ؛ أَمَا رأيتُمْ مِنِ احمرارِ عَيْنِهِ وانتفاخِ أودَاجِه» (¬١).