﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)﴾
الشرح: الشهادة من جملة الأمانات، وخصها بالذكر من بينها إبانة لفضلها؛ لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها، وفي إهمالها تضييع الحقوق، وإبطالها، وقرئ: «(بشهادتهم)» و (بشهاداتهم) بالجمع لاختلاف أنواعها، كما في جمع: الأمانة. انتهى. كشاف. هذا؛ وكتمان الشهادة، أي: الامتناع عن أدائها كشهادة الزور، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٢]: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزّور». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط.
هذا؛ ويؤخذ مما تقدم: أن شهادة الزور وكتمان شهادة الحق سواء في الإثم، وقد قرن الله تعالى شهادة الزور بعبادة الأوثان في الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج) فقال جل ذكره:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وأيده النبي ﷺ، فعن أيمان بن خريم ﵁: أن النبي ﷺ قام خطيبا، فقال: «أيّها النّاس عدلت شهادة الزّور الإشراك بالله، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذي، وأخرجه أبو داود عن خزيمة بن فاتك بنحوه. وعن أبي بكرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟!». (ثلاثا) قلنا: بلى يا رسول الله! قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، (وكان متكئا فجلس فقال): «ألا وقول الزور، وشهادة الزور». فما زال يكررها؛ حتى قلنا: ليته سكت! أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال:
قال رسول الله ﷺ: «إنّ الطير لتضرب بمناقيرها، وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة، وما يتكلّم به شاهد الزور، ولا تفارق قدماه على الأرض، حتى يقذف به في النار». رواه الطبراني.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿بِشَهاداتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿قائِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، تأمل، وتدبر.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ:﴾ فيراعون شروطها، ويكملون فرائضها، وسننها.
وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولا وآخرا باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها. وفي نظم هذه الصلاة مبالغات لا تخفى. وهي تقديم الضمير، وبناء الجملة عليه،