وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: يجُوزُ بيعُ الثِّمارِ قبل بُدُوِّ صلاحِها، وبغير بُدُوِّ الصَّلاح (¬١)، إذا لم يَشْترِطِ التَّبقيةَ، ولا القطعَ (¬٢)، ولكن باعَها وسكتَ، فإنِ اشْتَرطَ تَبْقيتها، بطَلَ (¬٣) العَقْدُ، سَواءٌ باعَها قبل بُدُوِّ الصَّلاح، أو بعدهُ.
وقال محمدُ بن الحَسَن: إذا تَناهى عِظَمُهُ، بشَرْط (¬٤) تَرْكه، جازَ اسْتِحسانًا.
قال أبو عُمر: جعلَ أبو حنيفةَ قَولهُ ﷺ: "حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ". ردًّا لقَوله: "حتَّى يبدُو صَلاحُها". فقال ما ذكَرْنا، واحتجَّ أيضًا بالنَّهيِ عن بَيعْ الغَررِ، وجعَلَ مالكٌ وجُمهُورُ الفُقهاءِ ذلكَ كلَّهُ معنًى واحِدًا، وحَملُوهُ على الأغْلَبِ في أنَّها تَسْلمُ حِينَئذٍ في الأغْلَبِ (¬٥)، واللّه أعلمُ.
والحُجَّةُ لمالكٍ والشّافِعيِّ، ومن قال بقولِهما، عُمُومُ قول الله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (¬٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥] مع قولِ رسُولِ الله ﷺ: "حتَّى يَبْدُو صلاحُها". و"حتَّى" غايةٌ، ويَقْتضي هذا القولُ أَنَّه (¬٧) إذا بَدا صلاحُها، جازَ بيعُها جَوازًا مُطلقًا، سواءٌ شرطَ التَّبقيةَ، أو لم يشترِط، واللّه أعلمُ.
وقد سُئلَ عُثمانُ البتِّيُّ عن بيع الثَّمَرِ قبل أن يُزْهِي، فقال: لولا ما قالَ النّاسُ فيه، ما رأيتُ به بأسًا.