فصل
قال صاحب «المنازل» (¬١): (باب القبض. قال الله تعالى: ﴿(٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا﴾ [الفرقان: ٤٦]).
قلت: لقد أبعد في تعلُّقه بإشارة (¬٢) الآية إلى القبض الذي يريده، ولا تدلُّ الآية عليه بوجهٍ ما، وإنَّما تشارك القبضَ المترجمَ عليه في اللفظ، فإنَّ القبض في الآية (¬٣) قبضُ الظلِّ، وهو تقلُّصه بعد امتداده، قال الله (¬٤) تعالى: ﴿(٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٤٦]، فأخبر تعالى: أنَّه بسط الظلَّ ومدَّه، وأنَّه جعله متحرِّكًا تبعًا لحركة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنًا لا يتحرَّك، إمَّا بسكون المظهر له والدليل عليه، وإمَّا بسببٍ آخر. ثمَّ أخبر: أنَّه قبضه بعد بسطه قبضًا يسيرًا، وهو شيءٌ بعد شيءٍ، لم يقبضه جملةً.
فهذا من أعظم آياته الدالَّة على كمال قدرته وحكمته (¬٥)، فندب سبحانه إلى رؤية صنعه (¬٦) وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته، ولو شاء لجعله لاصقًا بأصلِ ما هو ظلٌّ له من جبلٍ وبناءٍ وشجرٍ وغيره، فلم ينتفع به