العقل» من هاهنا اشتق هذه القاعدة، وجعلها أصلًا لردِّ نصوص الوحي التي يزعم أن العقل يخالفها، كما زعم إمامه أن دليل العقل يخالف نصَّ الأمر بالسجود حين (¬١) قدَّمه عليه. وعرضت لعدوِّ الله هذه الشبهة من ناحية كِبْره الذي منعه من الانقياد المحض لنص الوحي، وهكذا تجد (¬٢) كل مُجادِلٍ في نصوص الوحي بالباطل إنما يحمله على ذلك كِبرٌ في صدره ما هو ببالغه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اِللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اُلْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦].
وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بسبب التأويل، وإلَّا فهو ﷺ لم يقصد بالأكل معصيةَ الربِّ، والتجرؤَ على مخالفة نهيه، وأن يكون ظالمًا مستحِقًّا للشقاء بخروجه من الجنة. هذا لم يقصده أبو البشر قطعًا.
ثم اختلف الناس في وجه تأويله، فقالت طائفة: تأول بحمله النهيَ المطلق على الشجرة المعينة، وغرَّه عدوُّ الله بأن جنس تلك الشجرة هي شجرة الخُلْد، وأطمعه (¬٣) في أنه إنْ أكل منها لم يخرج من الجنة.
وفي هذا الذي قالوه نظرٌ ظاهرٌ؛ فإن الله سبحانه أخبر أن إبليس قال له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ اِلشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَلْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]، فذكَرَ لهما عدو الله الشجرة التي نُهِيَا عنها، إمَّا بعينها أو بجنسها، وصرَّح لهما بأنها هي المنهي عنها، ولو كان عند آدم أن