ولهذا قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، أي: المرجع والمصير.
ثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، [صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾] [¬١].
وهكذا قال هاهنا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، يقول: سمعهُ وبصرهُ [ويداه ورجلاه] [¬٢] وجوارحُه. وقال قتادة: شاهد على نفسه. وفي رواية قال: إذا شئت والله رأيته بصيرًا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلًا عن ذنوبه [¬٣]، وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبًا: يا بن آدم، تُبصر القَذَاة في عين أخيك، وتترك الجِذْل [¬٤] في عينك لا تبصره.
وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: حجته. وكذا قال ابن [¬٥] زيد، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، يقول: لو ألقى ثيابه [¬٦].
وقال الضحاك: ولو أرخى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر: المعذار [¬٧].
والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، هي: الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾، ﴿[فَأَلْقَوُا السَّلَمَ] [¬٨] مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.