واللَّفْظَةُ فيما ذكرَ الأزْهَرِيُّ (١) مشتقةٌ من قولِهِم وصيت الشيء أصيه ايصاء إذا وصلته به وأوصى وَاصِيَةً، أيْ: مُتصلة البنات، فَسُمِّيَ هذا التصرُّفُ وصيَّةً لِمَا فِيهِ من وصلِ القُرْبةِ الواقعةِ بَعْدَ الموتِ بالقُرُبَات المُنَجَّزَةِ في الحياةِ، ودَلاَلاَتُ الإِجْمَاعِ والكتابِ والسُّنَّةِ مُتَعَاضِدة عَلَى جَوَازِ الوَصِيَةِ؛ قال الله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء- ١٢] وعن أبي قَتَادَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينةَ، فَسَأَلَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ مَعْرَورٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ هَلَكَ، وأَوْصَى لَكَ بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَبَلَهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ (٢).
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ ﵁ مَرِضْتُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ فجاءني رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُوْدُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَ بِيَ مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ؟
وَيُرْوَى: "أَفَاُوصِي بثُلْثَيْ مَالِي؟ فَقَالَ: لاَ، فَقُلْتُ: فَبِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: فَبِالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثِيرٌ" وُيرْوَىَ: "كَبيرُ؛ إنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" (٣).
وعن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَال: "إِنَّ اللهَ أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أمْوَالِكُمْ في آخِرِ أَعْمَارِكُمْ؛ زِيادَةً في أَعْمَالِكُمْ" (٤) قَالَ العُلَمَاءُ: وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ وَاجِبَةً في ابْتِدَاءِ الإِسْلاَمِ؛ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيهِ قَوْلهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ...﴾ [البقرة- ١٨٠] الآيَةَ، ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ، وَبَقِيَ الاِسْتِحْبَابُ.
وَاحتَجُّوا عَلَى نَفْيِ اَلوُجُوبِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ